حوارات خاصة

القاعدة الروسية في السودان بين صراع النفوذ وحسابات السُلطة.. البرهان "يلعب على الحبال"

القاعدة الروسية في السودان بين صراع النفوذ وحسابات السُلطة
القاعدة الروسية في السودان بين صراع النفوذ وحسابات السُلطة

أبلغ رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان بتجميد قرار إقامة قاعدة روسية في بلاده، وكان هذا المشروع قد مثّل أحد أبرز الملفات الجيوسياسية في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة، إذ تحوّل من اتفاق تقني وُقّع عام 2017 إلى ورقة ضغط تستخدمها الأطراف الدولية والإقليمية، بينما توظفه الخرطوم في سياق صراع داخلي على السلطة وتوازنات خارجية معقدة. 

وتصف تقارير غربية هذا المشروع بأنه “أحد أكثر التحركات الاستراتيجية أهمية لموسكو خارج الفضاء السوفيتي السابق”، ما يعكس حجم الرهانات المرتبطة به.

روسيا والبحث عن منفذ استراتيجي على البحر الأحمر

تسعى موسكو منذ سنوات إلى تثبيت وجود بحري دائم على البحر الأحمر، وهو ما يفسر إصرارها على إحياء الاتفاق مع السودان رغم التغييرات السياسية المتلاحقة في الخرطوم. 

ويشير تقرير لمعهد "ربرت لانسينغ" إلى أن القاعدة الروسية “ستمنح الكرملين نفوذاً غير مسبوق على طرق التجارة العالمية، وستعزز قدرته على العمل عسكرياً في إفريقيا والشرق الأوسط، كما ستحد من حرية العمليات الأمريكية في ممر البحر الأحمر – قناة السويس – شرق المتوسط”.

هذا التقييم يعكس إدراك موسكو لأهمية الموقع السوداني، خصوصاً أن القاعدة المقترحة قادرة على استقبال سفن تعمل بالطاقة النووية، ما يجعلها نقطة ارتكاز استراتيجية في مواجهة النفوذ الأمريكي والغربي.

وفي هذا السياق، قال خبير الشؤون الأفريقية الدكتور محمد تورشين، في حديث لوكالة ستيب نيوز: إن البرهان “ظل يستخدم ملف القاعدة الروسية كورقة مناورة سياسية، حتى يحقق أكبر قدر من المكاسب في تعامله مع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية”. 

وأضاف أن تصريحات البرهان الأخيرة “تحمل رسائل واضحة للغرب بأنه مستعد للتنسيق والتفاهم، وأنه لا يريد أن يُصنّف بشكل مباشر كحليف لروسيا”.

الخرطوم… دولة في قلب لعبة دولية معقدة

بالنسبة للسودان، لم يكن المشروع مجرد تعاون عسكري، بل ورقة تفاوضية تستخدمها الحكومات المتعاقبة لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية، وتؤكد تقارير لمركز "الأمن القومي الأفريقي" أن المشروع “عاد إلى الواجهة أكثر من مرة، وتم الإعلان عن اكتماله أربع مرات منذ 2017، ما يعكس توظيف الخرطوم له كأداة سياسية أكثر من كونه مشروعاً عسكرياً جاهزاً للتنفيذ”.

البرهان، على وجه الخصوص، استخدم الملف في سياق الحرب الداخلية، إذ يلوّح بإحياء الاتفاق حين يحتاج دعماً روسياً، ثم يعلن تجميده عندما يسعى لطمأنة واشنطن أو الرياض، هذا التذبذب ليس عشوائياً، بل يعكس استراتيجية “اللعب على الحبال” التي يتبعها البرهان لضمان بقائه في المشهد السياسي.

وفي هذا الإطار، أوضح تورشين أن البرهان “يستخدم دائماً سياسة العصا والجزرة في إدارة الحرب في السودان، حتى لا يضع نفسه في خانة واحدة، أو يتم تصنيفه بشكل مباشر بأنه حليف لروسيا”، واعتبر أن الخرطوم “تفهم تماماً تعقيدات هذا الملف، وتدرك أن استخدامه بذكاء قد يحقق لها مكاسب سياسية واقتصادية في ظل الحرب”.

الولايات المتحدة… خطوط حمراء واضحة

ترى واشنطن أن أي وجود روسي دائم على البحر الأحمر يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها العسكرية والتجارية، وتصف تقارير غربية القاعدة بأنها “ستعقّد العمليات الأمريكية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم”، وهو ما يفسر الضغوط المتزايدة التي تمارسها الولايات المتحدة على الخرطوم.

وفي هذا السياق، قال تورشين إن “الضغوط الغربية والأمريكية واضحة، وإن كانت تأتي في شكل تلميحات أكثر من كونها مواقف معلنة”. 

وأضاف أن البرهان “يخشى أن يتم إبعاده من المشهد السياسي، لأنه يعلم تماماً أن الولايات المتحدة يمكن أن تضع شروطاً تتعلق باستمراره على رأس المجلس الانتقالي السوداني”.

القاعدة الروسية في السودان بين صراع النفوذ وحسابات السُلطة.. البرهان

السعودية… رفض صريح لعسكرة البحر الأحمر

تلعب السعودية دوراً محورياً في هذا الملف، إذ تعتبر البحر الأحمر جزءاً من أمنها القومي، وقد نقلت صحيفة "سودان تربيون" أن البرهان أبلغ الرياض في ديسمبر 2025 بأن “كل مشاريع القواعد العسكرية على البحر الأحمر، بما فيها القاعدة الروسية، مجمّدة”.

وأشار تورشين إلى أن الرياض “غير راضية عن أي تمدد روسي في البحر الأحمر، أو ما تسميه عسكرة الممر البحري”، مضيفاً أن السعودية ترى أن مثل هذه الخطوة “قد تسهم في رفع مستوى التنافس الإقليمي والدولي على البحر الأحمر، وتفتح الباب أمام قوى أخرى للحصول على قواعد عسكرية”.

لماذا جُمّد المشروع رغم اهتمام موسكو؟

رغم التصريحات الروسية المتكررة التي تؤكد أن المشروع “عاد إلى المسار الصحيح”، فإن الواقع يشير إلى أن الخرطوم غير قادرة حالياً على المضي في تنفيذه، فالحرب الداخلية، والضغوط الأمريكية، والحاجة للدعم السعودي، كلها عوامل تجعل تنفيذ الاتفاق مخاطرة سياسية قد تهدد موقع البرهان نفسه.

كما أن موسكو، رغم رغبتها الشديدة في الحصول على قاعدة على البحر الأحمر، تدرك أن الوضع السوداني غير مستقر، وأن أي خطوة متسرعة قد تؤدي إلى خسارة الخرطوم بدلاً من كسبها.

ويقول تورشين إن “روسيا قد تحاول تقديم مزيد من الإغراءات للحكومة السودانية عبر طرح مكاسب ومزايا محتملة، لكن الخرطوم تستخدم الملف لتحقيق أكبر قدر من المكاسب، وليس للالتزام الفوري بتنفيذ الاتفاق”.

عقدة جيوسياسية

القاعدة الروسية في السودان ليست مشروعاً عسكرياً فحسب، بل عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها مصالح روسيا والولايات المتحدة والسعودية، بينما يستخدمها السودان كورقة تفاوضية في صراع داخلي على السلطة. 

وبينما تؤكد مراكز الأبحاث أن المشروع “يمثل نقطة تحول في ميزان القوى على البحر الأحمر”، فإن الواقع يشير إلى أن تنفيذه سيظل معلقاً إلى أن تتضح ملامح النظام السياسي في السودان، وتتوازن الضغوط الدولية والإقليمية على الخرطوم.

 

إعداد: جهاد عبد الله - ستيب نيوز

معلومات النشر

الكاتب: جهاد عبد الله

الناشر: وكالة ستيب نيوز

تاريخ النشر:

تاريخ التحديث:

معلومات الاتصال

البريد الإلكتروني: contact@stepagency-sy.net

صفحة الاتصال: اتصل بنا

المقال التالي المقال السابق