في لحظة كان يُفترض أن تتقدّم فيها الصومال نحو الاستقرار السياسي وترسيخ مؤسسات الدولة، اختار الرئيس حسن شيخ محمود، طريق التعنّت والمكابرة، دافعًا البلاد إلى دوامة انسداد خطير يهدد ما تبقى من التوافق الوطني. فبدلاً من لعب دور الحكم بين القوى السياسية، بات طرفًا في الصراع، متمسكًا بمواقف جامدة تُفاقم الأزمة بدل أن تحلّها.
فقد أعلن مجلس المستقبل المعارض في الصومال، أنه سيعقد قمة كبرى في 10 أبريل/نيسان، لتوحيد طيف واسع من القادة السياسيين من أجل تحديد خطواتهم المقبلة بعد أن فشلت المحادثات المتعثرة مع الرئيس حسن شيخ محمود في كسر الجمود الانتخابي.
وقال الرئيس السابق شريف شيخ أحمد، وهو أحد قادة المجلس، إن جميع السبل لإشراك محمود في مفاوضات بحسن نية قد استُنفدت. ومع رفض الرئيس تقديم أي تنازلات، يعتزم المجلس الآن استكشاف إجراءات بديلة لحماية البلاد مع اقتراب انتهاء ولايته في مايو/أيار.
كما دعا رئيس بونتلاند، سعيد عبد الله دني، وهو أيضًا عضو في المجلس، إلى إنهاء المزيد من المفاوضات، واصفًا إياها بأنها مضيعة للوقت. واتهم محمود بالحفاظ على موقف متشدد وسلوك متحفظ خلال المناقشات حول القضايا الوطنية الحساسة، ما لم يترك مجالًا للتوصل إلى حلول وسط.
وبحسب الخبراء، لم يكن الجمود الانتخابي وليد لحظة، بل نتيجة مباشرة لإدارة سياسية أغلقت أبواب التفاهم. جميع مسارات الحوار استُنفدت، والوساطات لم تُجدِ نفعًا، لأن الرئاسة لم تُظهر استعدادًا حقيقيًا لتقديم تنازل واحد ينقذ المسار السياسي. في الأنظمة الهشّة، العناد ليس قوة؛ بل مقامرة خطيرة بمصير دولة.
الأخطر من ذلك أن الإصرار على المضي في نهج أحادي يهدد شرعية المرحلة المقبلة مع اقتراب نهاية الولاية. أي فراغ دستوري أو تأخير انتخابي لن يكون مجرد أزمة إجرائية، بل زلزال سياسي قد يعيد البلاد إلى مربّع الفوضى. المسؤولية هنا لا يمكن توزيعها بالتساوي؛ فالسلطة التنفيذية تتحمل العبء الأكبر في إدارة التوافق وضمان الانتقال السلس.
سياسيا، أدى التعنت إلى تعميق الشرخ بين المركز والأقاليم، وزاد من حدة الاستقطاب بين القوى الوطنية. بدل أن تكون الرئاسة جسرًا للتقارب، تحوّلت إلى عقدة الأزمة. وهذا التصلب لا يهدد وحدة الصف السياسي فقط، بل يضعف الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها خطر الجماعات المسلحة التي تستفيد دائمًا من انقسام الخصوم.
دوليًا، يبعث انهيار المفاوضات برسالة سلبية إلى الشركاء والداعمين. صورة الدولة التي تعجز قيادتها عن إدارة الخلافات الداخلية تضعف الثقة في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. في بيئة تعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، يصبح سوء إدارة الأزمة عبئًا اقتصاديًا وأمنيًا إضافيًا.
وأضافت مصادر أن القيادة الحقيقية تُقاس في لحظات الأزمات، لا في أوقات الاستقرار. والتاريخ لا يرحم من يضيّعون فرص التوافق بسبب حسابات ضيقة أو رهانات شخصية. اليوم، يقف الصومال أمام مفترق طرق: إما تسوية سياسية شجاعة تعيد الاعتبار لمبدأ الشراكة، أو استمرار نهج التعنت الذي قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابًا.
