تشهد مقديشو منذ مطلع عام 2025 وحتى الأشهر الأخيرة تصاعداً خطيراً في عمليات مصادرة الأراضي وإخلاء السكان، في سلسلة قرارات وإجراءات ارتبطت مباشرة بإدارة الرئيس حسن شيخ محمود، الذي يواجه اتهامات متزايدة من سياسيين وبرلمانيين وسكان محليين بأنه يقود سياسة ممنهجة لتجريد الصوماليين من ممتلكاتهم، في واحدة من أكثر الأزمات حساسية وخطورة منذ عودته إلى السلطة عام 2022.
وتكشف الوقائع المتتالية، وفق تقارير نشرتها مواقع صومالية وإقليمية بينها Hiiraan وGarowe Online وThe East African، أن قرارات مصادرة الأراضي لم تكن أحداثاً معزولة، بل جاءت ضمن مسار متصاعد بدأ بقرارات إخلاء جزئية، قبل أن يتحول إلى سياسة واسعة النطاق شملت أحياء سكنية وأسواقاً تجارية وأراضي عامة، وأدت إلى تهجير عشرات الآلاف.
بداية الانفجار السياسي… البرلمان يتهم الرئيس بالاستيلاء على أراضي الدولة
في أول مواجهة سياسية علنية حول الملف، اتهم نحو 100 نائب في البرلمان الصومالي، في يناير 2025، حكومة الرئيس حسن شيخ محمود بالاستيلاء على أراضٍ عامة، بينها أراضٍ كانت مخصصة لمرافق حيوية مثل المدارس والمستشفيات.
ووفق ما نشرته صحيفة The East African، أكد النواب أن عمليات نقل ملكية هذه الأراضي تمت بقرارات تنفيذية مشبوهة، واعتبروا أن السلطة التنفيذية تجاوزت صلاحياتها، في اتهام مباشر للرئيس باستخدام نفوذ الدولة لإعادة توزيع الأراضي خارج الأطر القانونية.
هذا الاتهام من داخل البرلمان لم يكن مجرد خلاف إداري، بل كان أول مؤشر رسمي على أن قرارات الرئيس بشأن الأراضي بدأت تثير شكوكاً واسعة حتى داخل مؤسسات الدولة نفسها.
اقرا المزيد
احتجاجات في سوق بكارا… التجار يتهمون السلطة بسرقة أراضيهم
بحلول يوليو 2025، تصاعدت الأزمة بشكل أكبر عندما اندلعت احتجاجات واسعة داخل سوق بكارا، أكبر سوق تجاري في الصومال، بعد أن أصدرت السلطات أوامر مفاجئة بإخلاء مواقع تجارية يعمل فيها التجار منذ عقود.
ووفق تقرير نشره موقع Hiiraan في يوليو 2025، قال التجار إنهم تلقوا أوامر إخلاء دون أي تعويض أو مسار قانوني واضح، واتهموا مسؤولين حكوميين بالاستيلاء على الأراضي لصالح جهات نافذة.
ووصف أحد التجار القرار بأنه "سرقة علنية لأراضي المواطنين باستخدام سلطة الدولة"، في تعبير يعكس حجم الغضب الشعبي من قرارات الرئيس ونظامه.
رؤساء سابقون يتهمون حسن شيخ محمود بانتهاك الدستور
في أخطر تصعيد سياسي، أصدر ثلاثة رؤساء صوماليين سابقين بياناً مشتركاً في أغسطس 2025، اتهموا فيه الرئيس حسن شيخ محمود بشكل مباشر بانتهاك الدستور من خلال مصادرة أراضي المواطنين واستخدام القوة ضد المدنيين.
ووفق ما نشره موقع Hiiraan في 12 أغسطس 2025، أكد الرؤساء السابقون أن عمليات الإخلاء التي أمرت بها السلطات أدت إلى سقوط قتلى وجرحى، واعتبروا أن الحكومة "قامت بإخلاء السكان بالقوة، في انتهاك واضح للحقوق الدستورية".
هذا البيان شكل ضربة سياسية قوية للرئيس، إذ كشف أن الاتهامات لم تعد مجرد مزاعم شعبية، بل أصبحت اتهامات رسمية من أعلى مستويات السلطة السابقة.
قوات الأمن تنفذ قرارات الإخلاء بالقوة وسقوط قتلى
لم تتوقف الأزمة عند مستوى البيانات السياسية، بل تحولت إلى مواجهات دموية على الأرض.
ففي أغسطس 2025، أفاد موقع Garowe Online بسقوط قتلى وجرحى خلال اشتباكات بين قوات الأمن وسكان رفضوا تنفيذ أوامر الإخلاء، حيث استخدمت القوات الحكومية القوة المسلحة لإجبار السكان على مغادرة منازلهم.
وفي سبتمبر 2025، ذكرت صحيفة The East African أن قوات الأمن قامت بهدم منزل بالقوة في مقديشو رغم احتجاج مالكه، ما أثار موجة غضب جديدة واتهامات للرئيس باستخدام الأجهزة الأمنية لفرض قرارات المصادرة بالقوة.
هذه الأحداث كشفت أن قرارات مصادرة الأراضي لم تعد مجرد إجراءات إدارية، بل تحولت إلى سياسة تُفرض بالسلاح، وبأوامر صادرة من أعلى مستويات السلطة التنفيذية.
أكثر من 143 ألف شخص شُرّدوا بسبب قرارات الإخلاء
تعكس البيانات الإنسانية حجم الكارثة الناتجة عن هذه السياسات.
فوفق تقرير نشره موقع Hiiraan في أغسطس 2025، تم تهجير نحو 143,500 شخص خلال عام واحد فقط بسبب عمليات الإخلاء المرتبطة بالنزاعات على الأراضي، وكان معظمهم في مقديشو.
وهذا الرقم يعكس تحول قرارات الرئيس بشأن الأراضي إلى أزمة إنسانية واسعة، حيث باتت آلاف الأسر بلا مأوى نتيجة قرارات اتخذتها السلطة التنفيذية.
رئيس متهم باستخدام الدولة كأداة مصادرة
تشير سلسلة الأحداث المتعاقبة منذ يناير 2025 إلى نمط واضح، حيث أن قرارات مصادرة الأراضي لم تكن حوادث منفصلة، بل جاءت ضمن سياسة متصاعدة ارتبطت مباشرة بإدارة الرئيس حسن شيخ محمود.
ويرى مراقبون أن أخطر ما في هذه السياسات ليس فقط حجم المصادرات، بل الرسالة التي ترسلها أن الدولة لم تعد ضامناً للحقوق، بل أصبحت أداة بيد الرئيس لفرض السيطرة، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار المجتمع.
مقديشو اليوم: مدينة تُحكم بقرارات المصادرة
اليوم، ومع استمرار عمليات الإخلاء وتصاعد الغضب الشعبي، تواجه مقديشو واقعاً جديداً فرضته قرارات الرئيس حسن شيخ محمود، حيث يعيش آلاف السكان تحت تهديد فقدان منازلهم في أي لحظة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن سياسات الرئيس لم تؤد فقط إلى مصادرة الأراضي، بل إلى تدمير الثقة بين الدولة والمجتمع، في مؤشر خطير على أزمة حكم تتجاوز ملف الأراضي، لتصل إلى جوهر شرعية السلطة نفسها.
وفي ظل استمرار هذه السياسات، يواجه الرئيس اتهامات متزايدة بأنه لا يقود دولة تحمي مواطنيها، بل نظاماً يستخدم سلطته لانتزاع ممتلكاتهم بالقوة، في مسار قد تكون له تداعيات خطيرة على مستقبل الصومال واستقراره.