تتواصل في السودان محاكمات عدد من المدنيين في العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، على خلفية مواقف سياسية وشعارات مناوئة لتنظيم الإخوان المصنف إرهابياً، في مشهد يثير جدلاً واسعاً بشأن نزاهة القضاء وتسييس العدالة.
ووفقاً لتقارير حقوقية، فقد أصدرت محاكم محلية منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 أكثر من 300 حكم في قضايا ذات طابع سياسي، شملت أحكاماً بالإعدام والسجن المؤبد، وسط اتهامات باستخدام القضاء كأداة لتصفية الخصوم السياسيين.
ويرى الخبير القانوني كمال محمد الأمين أن الأوضاع القانونية في البلاد شهدت تدهوراً ملحوظاً منذ انقلاب أكتوبر 2021، مشيراً إلى أن ذلك الحدث مثّل نقطة تحول نحو إعادة تمكين جماعة الإخوان وقمع القوى المدنية. وأضاف أن المشهد ازداد تعقيداً مع اندلاع الحرب، في ظل غياب الاستقرار الدستوري.
اتهامات بتوظيف السلاح في الصراع السياسي
في هذا السياق، يخضع عدد من الناشطين لمحاكمات مستمرة منذ أشهر، من بينهم الشاب منيب عبدالعزيز، على خلفية مشاركتهم في إحياء ذكرى ثورة ديسمبر 2019 التي أطاحت بنظام الإخوان. كما يواجه الدكتور أحمد الشبا محاكمة منذ يناير الماضي، في قضية يعتبرها حقوقيون نموذجاً لتوظيف القضاء في إطار الصراع السياسي.
من جهتها، اعتبرت المحامية نفيسة حجر أن هذه المحاكمات تمثل انتهاكاً واضحاً لمبادئ العدالة، مؤكدة أن الأزمة تعكس تسييس المؤسسة العسكرية وتحويلها إلى أداة لخدمة أجندات أيديولوجية، ما يهدد شرعية الدولة داخلياً وخارجياً.
بيئة قمعية وتصاعد في خطاب التهديد
وتشير تطورات المشهد إلى تصاعد في حدة الخطاب السياسي، حيث صدرت تهديدات علنية من قيادات عسكرية وأخرى مرتبطة بالحركة الإسلامية ضد قوى مدنية معارضة، في ظل تحركات ميدانية لعناصر مسلحة في عدة مناطق.
ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يعكس توجهاً نحو فرض واقع سياسي بالقوة، من خلال خلق بيئة قمعية تستهدف المعارضين، وهو ما يعزز المخاوف من اتساع دائرة العنف.
وفي السياق ذاته، حذر الوزير الأسبق بالخارجية مهدي الخليفة من خطورة الأوضاع، مشيراً إلى انتشار بلاغات كيدية واستخدام مجموعات مسلحة لترهيب القيادات المدنية، مع احتمالات وقوع تصفيات جسدية تحت غطاء الفوضى الأمنية.
اتهامات “التعاون” بين القانون والسياسة
وفي جنوب الخرطوم، تنظر إحدى المحاكم في قضية يواجه فيها 77 شخصاً اتهامات بالتعاون مع قوات الدعم السريع، وسط جدل متزايد حول استخدام هذه التهم لتصفية حسابات سياسية أو حتى عرقية.
وتشير تقارير حقوقية إلى صدور نحو 250 حكماً بالإعدام أو السجن المؤبد، من بينها أحكام طالت نساء، بالإضافة إلى استمرار احتجاز أخريات لفترات طويلة دون حسم قضاياهن.
ويؤكد خبراء قانونيون أن هذه المحاكمات تفتقر إلى معايير العدالة، محذرين من التلاعب بالنصوص القانونية وتوجيه اتهامات جاهزة لمدنيين اضطروا للتواجد في مناطق نزاع.
كما شددوا على أن القانون الدولي يلزم أطراف النزاع بحماية المدنيين وضمان محاكمات عادلة، مؤكدين أن أي محاسبة يجب أن تتم في إطار قانوني شفاف بعد وقف الحرب، وليس عبر محاكمات ميدانية أو استثنائية.
مخاوف من تعميق الأزمة السياسية
في ظل هذه التطورات، يحذر مراقبون من أن استمرار ما يوصف بـ"محاكم الانتقام" قد يؤدي إلى تعميق الانقسام السياسي وتقويض فرص الحل السلمي، خاصة مع تصاعد خطاب التحريض واستخدام مؤسسات الدولة في الصراع.
ويؤكد محللون أن استعادة الاستقرار في السودان تتطلب إنهاء عسكرة السياسة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس قانونية ومهنية تضمن العدالة والمساواة بين جميع المواطنين.