في مفارقة مؤلمة تعكس وحشية الحرب على الفقراء، يخاطر مئات الآلاف من البحارة الهنود بحياتهم يومياً في مياه الخليج المضطربة، ليس بدافع البطولة، بل بدافع الضرورة، حيث أصبح العمل على متن السفن التجارية في منطقة حرب مفتوحة الحل الوحيد للهروب من دوامة الفقر والديون التي تطحن قرى الهند النائية.
بينما تتصارع القوى العظمى في الشرق الأوسط، يدفع بحارة مثل سونيل بونيا الثمن غالياً. ففي أول رحلة بحرية له، التي كان يحلم منها بالهروب من الفقر في قريته النائية، وجد نفسه يقفز في البحر مرتدياً سترة نجاة، فاراً من نار وصواريخ استهدفت ناقلته النفطية. يتذكر بونيا لحظات الرعب قائلاً: "سمعنا دويّاً هائلاً واهتزت السفينة... ظننت في البداية أن هناك عطلاً في المحرك، ليتبين أن صاروخاً أصابنا... وكانت السفينة تشتعل بالكامل".
تفاصيل صادمة عن الضحايا
الأرقام الرسمية ترسم صورة قاتمة لهذه المأساة الإنسانية. فوفقاً للمنظمة البحرية الدولية، قُتل 11 بحاراً تجارياً في النزاع حتى الآن، بينهم أربعة هنود على الأقل. من بين الضحايا، دليب سينغ (25 عاماً) وآشيش كومار سينغ (38 عاماً)، اللذين يعتبران أول هنديين يقتلا في هذه الحرب عندما تعرضت ناقلتهما النفطية لهجوم قبالة ميناء خصب في سلطنة عمان مطلع مارس.
الفقر يدفع للانتحار البطيء
ما الذي يدفع هؤلاء الشباب للمخاطرة بحياتهم في منطقة حرب؟ الإجابة بسيطة ومؤلمة: الفقر المدقع. دليب سينغ، خريج ثانوية من صحراء راجستان، "فشل عاماً بعد عام في الحصول على وظيفة حكومية"، كما يروي شقيقه. فاقترض المoney والتحق ببرنامج تدريب بحري، ليعمل على متن سفينة تجارية براتب لا يتجاوز 450 دولاراً شهرياً، وهو مبلغ يعادل ثلاثة أضعاف متوسط دخل الأسرة الريفية في الهند. شقيقه الأصغر كان يأمل في اللحاق به إلى البحر، لكنه تخلّى عن الفكرة بعد مقتل أخيه، قائلاً: "توفي والدي جرّاء الصدمة بعد سماع خبر مقتل أخي، لم يعد بإمكاني مغادرة المنزل الآن".
أزمة إنسانية متصاعدة
مع استمرار الحرب، تتسع دائرة الكارثة الإنسانية. تُقدَّر أعداد البحارة الهنود بأكثر من 320 ألفاً، وفق وزارة الشحن الهندية. وقد فرضت إيران قيوداً على الملاحة في مضيق هرمز، مما تسبب في احتجاز آلاف السفن. ويُقدَّر أن نحو 20 ألف بحّار لا يزالون عالقين بسبب الحصار. وأكد الأمين العام لنقابة البحّارة الهنود أن "نواجه مشكلة بطالة كبيرة والعمل في السفن يُعد مخرجاً مناسباً لكثيرين، لأنه يوفّر دخلاً جيداً نسبياً مقارنة بالمؤهلات المطلوبة