مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واحتمالات توسع المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو السودان، الذي قد يتحول إلى ساحة جديدة للصراع غير المباشر بين القوى الإقليمية والدولية.
وتشير تقارير أمنية وتحليلات استراتيجية إلى أن النفوذ الإيراني المتنامي في السودان، بالتزامن مع الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023، قد يؤدي إلى تحولات استراتيجية في منطقة البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة في العالم.
جدل بعد إعلان إسلاميين الاستعداد للقتال مع إيران
خلال الأيام الأخيرة، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر مقاتلين سودانيين ينتمون إلى الحركة الإسلامية السودانية، وهي الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين، يعلنون فيها استعدادهم للذهاب إلى إيران والقتال إلى جانبها في حال اندلاع حرب برية مباشرة بينها وبين الولايات المتحدة أو إسرائيل.
وأثار انتشار هذه المقاطع جدلًا واسعًا داخل السودان وخارجه، خصوصًا فيما يتعلق بمدى التأثير الإيراني داخل التيارات الإسلامية في البلاد.
وفي المقابل، سارع الجيش السوداني إلى نفي أي علاقة رسمية له بهذه التصريحات، مؤكدًا أن تلك الدعوات لا تمثل المؤسسة العسكرية أو الدولة.
لكن سياسيين سودانيين وتقارير تحليلية تشير إلى أن التيار الإسلامي ما يزال يتمتع بنفوذ داخل بعض مراكز القرار في المؤسسات العسكرية والأمنية، الأمر الذي يزيد من حساسية الملف على المستوى الإقليمي والدولي.
السودان.. موقع استراتيجي في حسابات إيران
يرى خبراء عسكريون أن السودان يمثل موقعًا جيوسياسيًا مهمًا في حسابات إيران الإقليمية، خاصة بسبب موقعه المطل على البحر الأحمر.
ويمثل هذا الممر البحري شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، إذ تمر عبره نحو 12% من حركة التجارة الدولية وناقلات النفط بين آسيا وأوروبا.
وبحسب تحليلات استراتيجية، تسعى طهران منذ سنوات إلى توسيع نفوذها في هذه المنطقة عبر تعزيز علاقاتها مع السودان، وهو ما قد يمنحها في المستقبل حضورًا عسكريًا أو لوجستيًا على البحر الأحمر، يتيح لها مراقبة خطوط الملاحة الدولية وزيادة قدرتها على الضغط الاستراتيجي على خصومها الإقليميين، خصوصًا إسرائيل وبعض دول الخليج.
دعم عسكري إيراني للجيش السوداني
في سياق الحرب الداخلية الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تشير تقارير متعددة إلى أن إيران قدمت دعمًا عسكريًا مهمًا للجيش السوداني.
وبحسب مصادر عسكرية، شمل هذا الدعم تزويد الجيش بطائرات مسيرة متطورة، مثل طائرات أبابيل 3 ومهاجر 6 وشاهد، إلى جانب تقديم تدريب عسكري لبعض الوحدات المقاتلة بواسطة خبراء من الحرس الثوري الإيراني.
كما تحدثت تقارير عن تقديم دعم تقني واستخباراتي ساهم في تعزيز قدرات الجيش السوداني في عدد من جبهات القتال خلال الحرب المستمرة.
قلق أمريكي إسرائيلي متزايد
في المقابل، تتزايد المخاوف في واشنطن وتل أبيب من تنامي العلاقات بين السودان وإيران، خاصة في ظل الموقع الجغرافي الحساس للسودان.
فالسودان يمتلك أحد أطول السواحل على البحر الأحمر، ما يمنحه أهمية كبيرة في معادلة الأمن الإقليمي.
وترى تقارير أمنية أن توسع النفوذ الإيراني في السودان قد يمنح طهران موطئ قدم قريبًا من خطوط الملاحة الدولية الحيوية، وهو ما قد يشكل تهديدًا لحركة السفن والتجارة العالمية، فضلًا عن تأثيره المحتمل على توازن القوى في منطقة تشهد بالفعل منافسة حادة بين القوى الإقليمية والدولية.
كما تشير بعض التحليلات إلى احتمال وجود إيراني عبر وكلاء في مدينة بورتسودان، التي تحولت خلال الحرب إلى مركز سياسي وعسكري مهم.
مخاوف من عودة "ممر السلاح"
تستند بعض هذه المخاوف إلى تجارب سابقة، حيث استخدم السودان في الماضي كجزء من مسارات تهريب السلاح إلى حركة حماس في قطاع غزة.
ففي عام 2009 شن الطيران الإسرائيلي غارة على قافلة سيارات داخل السودان كانت تحمل أسلحة متجهة إلى غزة.
كما استهدفت غارات إسرائيلية أخرى مواقع داخل السودان في عامي 2011 و2012، أبرزها قصف مصنع اليرموك للأسلحة في الخرطوم، الذي قيل إنه شُيّد بدعم إيراني.
ويرى محللون أن عودة مثل هذه الشبكات أو توسعها مجددًا قد يحول السودان إلى نقطة عبور مهمة في شبكات الإمداد العسكري في المنطقة.
البحر الأحمر.. ساحة تنافس جديدة
في ضوء هذه التطورات، يتوقع خبراء أن يتحول البحر الأحمر خلال السنوات المقبلة إلى إحدى أهم ساحات التنافس الاستراتيجي بين القوى الإقليمية والدولية.
فالموقع الجغرافي للسودان، إلى جانب الحرب الداخلية وتعدد المصالح الدولية، يجعل أي تقارب عسكري بين الخرطوم وطهران محل متابعة دقيقة من الولايات المتحدة وإسرائيل وعدد من الدول الأخرى.
ومع استمرار الصراع في السودان وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يبقى مستقبل العلاقة بين السودان وإيران مفتوحًا على عدة سيناريوهات قد تؤثر ليس فقط على مسار الحرب داخل السودان، بل أيضًا على توازنات الأمن الإقليمي في البحر الأحمر.