رجّحت تقارير إسرائيلية أن تنتقل بؤرة الصراع الدولي خلال السنوات المقبلة من الشرق الأوسط إلى منطقة القرن الأفريقي، في ظل تشابك ملفات الأمن المائي والمنافسة على الموانئ والممرات البحرية، فضلاً عن تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خريطة العالم.
وقالت منصة "ناتسيف نت" الإسرائيلية إن التطورات المتسارعة في القرن الأفريقي تجعل المنطقة مرشحة للتحول إلى ساحة مواجهة دولية واسعة، مشيرة إلى أن مصر قد تجد نفسها في قلب هذه المعادلة بحكم ارتباطها المباشر بملف مياه النيل وتوازنات البحر الأحمر والصراعات الإقليمية المحيطة بها.
تحولات في مركز الصراع العالمي
وبحسب التقرير، فإن الاهتمام الدولي لم يعد يتركز حصراً على النزاعات التقليدية في الشرق الأوسط، بل بدأ يتحول نحو مناطق أخرى ترتبط بمنافسة القوى الكبرى على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا وطرق التجارة العالمية.
وأوضح أن الصراعات الحالية في الشرق الأوسط، رغم خطورتها، تُصنف في كثير من الأحيان ضمن إطار النزاعات الإقليمية المستمرة، بينما تنطوي الأزمات المتصاعدة في مناطق أخرى على احتمالات أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي، خاصة في ظل التنافس الأمريكي الصيني على التكنولوجيا المتقدمة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة، إضافة إلى الصراع على الممرات التجارية الحيوية.
وأشار التقرير إلى أن الساحات الأكثر حساسية حالياً تشمل بحر الصين الجنوبي وتايوان، والحرب في أوكرانيا، والتوترات المتزايدة في القطب الشمالي، إلى جانب مناطق تشهد انهيارات أمنية وصراعات داخلية في أفريقيا وآسيا.
اقرا المزيد
القرن الأفريقي.. عقدة الجغرافيا والسياسة
ورأى التقرير أن القرن الأفريقي تحول خلال عام 2026 إلى واحدة من أكثر المناطق تعقيداً على المستوى الجيوسياسي، بسبب التداخل بين النزاعات المحلية والمنافسة الدولية على النفوذ والموانئ والممرات البحرية.
وتتمتع المنطقة بأهمية استثنائية نظراً لإشرافها على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من حركة التجارة والطاقة الدولية.
كما تستقطب المنطقة اهتمام قوى إقليمية ودولية متعددة، من بينها الولايات المتحدة والصين وتركيا، إضافة إلى دول المنطقة نفسها التي تسعى إلى تعزيز مواقعها الاستراتيجية وسط بيئة أمنية شديدة التعقيد.
السودان.. حرب مفتوحة وتداعيات إقليمية
وتوقف التقرير عند الحرب المستمرة في السودان، التي دخلت عامها الرابع، معتبراً أنها تمثل أحد أبرز عوامل عدم الاستقرار في المنطقة.
وأشار إلى أن البلاد باتت تعيش حالة انقسام فعلي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، في ظل استمرار المعارك واستخدام أسلحة متطورة وطائرات مسيرة وتقنيات عسكرية حديثة.
كما لفت إلى أن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الداخلية، وأصبحت ذات أبعاد إقليمية نتيجة الاتهامات المتبادلة بين أطراف النزاع ودول الجوار بشأن الدعم العسكري واللوجستي.
إثيوبيا وصوماليلاند.. أزمة منفذ بحري
وركز التقرير على الخلاف المتصاعد بين إثيوبيا والصومال بسبب مذكرة التفاهم الموقعة بين أديس أبابا وإقليم صوماليلاند.
وتسعى إثيوبيا، التي لا تمتلك منفذاً بحرياً منذ انفصال إريتريا، إلى الحصول على موطئ قدم على البحر الأحمر من خلال اتفاق يسمح لها باستخدام شريط ساحلي في صوماليلاند لإقامة منشآت بحرية وميناء وقاعدة عسكرية.
في المقابل، تعتبر الحكومة الصومالية هذه الخطوة انتهاكاً لسيادتها ووحدة أراضيها، الأمر الذي أدى إلى تصاعد التوتر بين الجانبين وفتح الباب أمام استقطابات إقليمية جديدة.
مصر في قلب المعادلة
ويرى التقرير أن مصر أصبحت طرفاً محورياً في المشهد الإقليمي المتشكل في القرن الأفريقي، خاصة في ظل ارتباط أمنها القومي بملف مياه النيل وسد النهضة الإثيوبي.
وتنظر القاهرة إلى أي توسع للنفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر أو القرن الأفريقي باعتباره عاملاً مؤثراً في التوازنات الإقليمية، وهو ما يفسر تقاربها مع الصومال وإريتريا خلال الفترة الماضية.
كما عززت مصر حضورها العسكري والسياسي في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي عبر اتفاقيات تعاون أمني وعسكري مع عدد من دول المنطقة، في إطار مساعيها لحماية مصالحها الاستراتيجية ومواجهة التحديات المرتبطة بالأمن المائي.
صراع المياه يهدد الاستقرار
ويؤكد مراقبون أن ملف المياه يظل أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، خاصة مع استمرار الخلافات بين مصر وإثيوبيا بشأن تشغيل وإدارة سد النهضة.
ويُعدّ هذا الملف أحد أبرز العوامل التي قد تدفع نحو مزيد من التوتر الإقليمي إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات دائمة تضمن مصالح جميع الأطراف.
وفي الوقت نفسه، تتداخل أزمة المياه مع التنافس على الموانئ والنفوذ البحري، ما يجعل القرن الأفريقي ساحة مفتوحة لتقاطعات جيوسياسية معقدة يصعب فصل أبعادها الأمنية عن الاقتصادية والاستراتيجية.
تنافس دولي متصاعد
ويشير محللون إلى أن أهمية القرن الأفريقي لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي، بل من كونه منطقة تتقاطع فيها مصالح القوى الكبرى.
فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها في البحر الأحمر والممرات البحرية الاستراتيجية، بينما تعمل الصين على توسيع حضورها عبر مبادرة "الحزام والطريق" والاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والموانئ.
كما تسعى قوى إقليمية، إلى تعزيز مواقعها في المنطقة عبر شراكات اقتصادية وعسكرية وأمنية متنامية.
هل تصبح المنطقة ساحة مواجهة كبرى؟
ورغم أن الحديث عن "حرب عالمية جديدة" في القرن الأفريقي لا يزال في إطار التقديرات والتحليلات، فإن الخبراء يرون أن المنطقة باتت تمثل أحد أخطر بؤر التوتر الدولية بسبب تداخل ملفات المياه والطاقة والتجارة والنفوذ العسكري.
ومع استمرار الحرب في السودان، وتعقّد أزمة سد النهضة، وتصاعد الخلافات حول البحر الأحمر، وتزايد التنافس بين القوى الدولية، تبدو منطقة القرن الأفريقي مرشحة للبقاء في صدارة الاهتمام العالمي خلال السنوات المقبلة، وسط مخاوف من أن يتحول أي تصعيد محلي إلى أزمة إقليمية أوسع نطاقاً.