تدخل سوق الطاقة العالمية مرحلة حرجة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من الخليج، في ظل تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتصاعد التوترات العسكرية. وتشير تقارير دولية إلى أن الأيام العشرة المقبلة قد تشهد بداية أزمة حقيقية، مع انقطاع شبه كامل للإمدادات القادمة من قطر، التي تمثل نحو خُمس الإنتاج العالمي.
وبحسب صحيفة "فاينانشال تايمز"، فإن الناقلات التي غادرت الموانئ الخليجية قبل اندلاع النزاع هي آخر ما تبقى من الإمدادات المتجهة إلى الأسواق العالمية. ومع وصول هذه الشحنات، ستواجه الدول المستوردة فجوة حادة في المعروض، ما يضعها أمام خيارات صعبة، تشمل شراء الغاز بأسعار قياسية أو التحول إلى بدائل أكثر تكلفة.
الأزمة تفاقمت بعد توقف صادرات قطر نتيجة الحصار المفروض على مضيق هرمز، إلى جانب الأضرار التي لحقت بمنشأة رأس لفان العملاقة إثر هجوم صاروخي، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الغاز في أوروبا وآسيا.
تحليلات شركة "أفينيتي" للملاحة كشفت أن عدداً من الشحنات لا يزال في طريقه إلى وجهاته، لكن تأثير انقطاع الإمدادات سيظهر تباعاً مع نفاد هذه الكميات. وفي ظل هذا الواقع، بدأت دول عديدة بالفعل في اتخاذ إجراءات تقشفية، مثل تقليص أيام العمل أو فرض قيود على استهلاك الطاقة.
باكستان في قلب العاصفة
تعد باكستان من أكثر الدول تضرراً، بعدما اعتمدت بنسبة 99% على الغاز القطري خلال العام الماضي. ومع وصول آخر الشحنات في الأيام الأولى من الأزمة، بدأت البلاد بالفعل تقليص عمليات الاستيراد إلى مستويات غير مسبوقة، وسط توقعات بتوقف الإمدادات بالكامل قريباً.
وحذّر مسؤولون في قطاع الطاقة من "جفاف كامل" في الإمدادات، خاصة مع فشل محاولات تأمين شحنات بديلة بسبب الأسعار المرتفعة، التي تجاوزت قدرة الاقتصاد المحلي. وقد تضاعفت أسعار الغاز في آسيا لتصل إلى نحو 23 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، ما جعل الشراء من السوق الفورية شبه مستحيل.
بنغلاديش وتايوان تحت الضغط
بنغلاديش تواجه أزمة مشابهة، حيث تعاني من عجز مالي يمنعها من تأمين بدائل للغاز الخليجي، ما دفعها إلى اتخاذ إجراءات صارمة لترشيد الاستهلاك، شملت إغلاق مؤسسات تعليمية.
في المقابل، تتحرك تايوان بسرعة لتأمين احتياجاتها، حيث نجحت في شراء شحنات بديلة مؤقتة، لكنها تواجه خطر نقص حاد خلال الصيف مع ارتفاع الطلب على الكهرباء، خاصة بعد تخليها التدريجي عن الطاقة النووية.
الصين والمرونة الاستراتيجية
تتمتع الصين بهامش أمان أكبر نسبياً، بفضل اعتمادها على الإنتاج المحلي وشبكة أنابيب برية تربطها بروسيا وآسيا الوسطى. كما تمتلك خيار العودة إلى الفحم لضمان استقرار الطاقة، ما يمنحها قدرة أكبر على امتصاص الصدمة مقارنة بالدول النامية.
اليابان تعتمد على النووي والفحم
في اليابان، يتم التعامل مع الأزمة بحذر، حيث لجأت الحكومة إلى إعادة تشغيل محطات نووية لتعويض النقص، إلى جانب زيادة الاعتماد على الفحم. وتعتمد طوكيو حالياً على مخزوناتها الاستراتيجية، مع تجنب الشراء من السوق الفورية مرتفعة الأسعار.
أزمة طويلة الأمد تلوح في الأفق
التداعيات لا تقتصر على المدى القصير، إذ تشير تقديرات رسمية إلى أن نحو 17% من القدرة الإنتاجية القطرية ستظل متوقفة لمدة تصل إلى خمس سنوات بسبب الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.
كما يُتوقع أن تعلن الدوحة حالة "القوة القاهرة" على بعض العقود طويلة الأجل، ما سيجبر الدول المستوردة على الاعتماد على السوق الفورية، ويؤدي إلى استمرار تقلب الأسعار لفترة طويلة.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في أسواق الطاقة، حيث ستصبح تأمين الإمدادات أولوية قصوى، وقد تعيد هذه الأزمة رسم خريطة الطاقة العالمية لسنوات قادمة.