في تطور مفصلي يوصف بأنه زلزال سياسي وقضائي، أسدلت المحاكم التونسية الستار على واحد من أعقد وأخطر الملفات في تاريخ البلاد الحديث، بإصدار أحكام مشددة في القضية التي عُرفت إعلامياً بـ "الجهاز السري" لحركة النهضة. هذا الحكم لا يمثل مجرد إدانة جنائية، بل يعتبره مراقبون محطة تاريخية قد تطوي بشكل نهائي صفحة تيار الإسلام السياسي في تونس، وتفتح الباب أمام تداعيات عميقة تتجاوز الأشخاص المدانين لتطال الوجود القانوني والسياسي للحركة بأكملها.
زلزال قضائي يطيح برؤوس النهضة
أصدرت الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب أحكاماً حاسمة بحق 35 متهماً من القيادات البارزة، وجاءت أبرزها كالتالي:
راشد الغنوشي (رئيس الحركة): السجن المؤبد، مع إضافة 30 عاماً أخرى للعقوبة.
علي العريض (نائب رئيس الحركة ورئيس الحكومة الأسبق): السجن لمدة 42 عاماً.
مصطفى خذر وآخرون: أحكام بالسجن المؤبد مع إضافات تصل إلى 96 عاماً في بعض الحالات، وتتراوح بين 10 و48 عاماً لبقية المتهمين، مع فرض المراقبة الإدارية لجميع المدانين.
وقد استندت هذه الأحكام إلى إدانات واضحة بتهم ثقيلة شملت "تكوين وفاق إرهابي"، و"وضع كفاءات وخبرات على ذمة وفاق إرهابي"، وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب التونسي.
أسرار "الغرفة السوداء" و"الدولة الموازية"
بدأت خيوط هذه القضية المدوية بالتكشف منذ عام 2018، عندما فجرت هيئة الدفاع عن السياسيين اليساريين الراحلين، شكري بلعيد ومحمد البراهمي، مفاجأة من العيار الثقيل باتهام حركة النهضة بإدارة جهاز أمني وعسكري واستخباراتي موازٍ يعمل خارج أطر الدولة الرسمية.
وتتلخص خطورة هذا الجهاز في عدة نقاط مفصلية كشفتها التحقيقات:
دولة داخل الدولة: إنشاء بنية تنظيمية سرية تُدار بإشراف مباشر من رئيس الحركة لخدمة أجنداتها الخاصة، واختراق مؤسسات الدولة الأمنية والقضائية.
الغرفة السوداء: الكشف عن غرفة سرية داخل وزارة الداخلية التونسية ضمت وثائق وتقارير حساسة تمس الأمن القومي للبلاد.
الاغتيالات والتجسس: اتهام الجهاز بشكل مباشر في ملف الاغتيالات السياسية التي طالت بلعيد (فبراير 2013) والبراهمي (يوليو 2013)، إلى جانب تنفيذ عمليات تجسس ومتابعة طالت شخصيات تونسية وأجنبية.
نهاية الطريق.. هل اقترب قرار الحل الرسمي؟
من الناحية السياسية، يرى الباحث التونسي المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، أعلية علاني، أن هذا الحكم يمثل خطوة أولى نحو إغلاق ملف حركة النهضة كفاعل حزبي رئيسي. ويتفق معه المحلل السياسي أبو بكر الصغير، الذي أكد أن السلطات التونسية باتت تمتلك اليوم الأسانيد القانونية والمستندات الكافية التي قد تدفعها لاتخاذ قرارات حاسمة تصل إلى مراجعة المصير القانوني للحركة وإمكانية حلها رسمياً.
رصيد شعبي متآكل وانهيار "النموذج"
لم تكن هذه الأحكام القضائية الضربة الوحيدة التي تلقتها الحركة؛ فوفقاً للباحث في شؤون الأمن الإقليمي، أحمد سلطان، تعيش حركة النهضة أزمة بنيوية ممتدة منذ الإجراءات الرئاسية في يوليو 2021.
ويشير الخبراء إلى أن السقوط السياسي للنهضة لم يكن وليد أروقة المحاكم فقط، بل جاء نتيجة تراكمات من الفشل في إدارة الدولة بعد عام 2011، وتغليب المصلحة التنظيمية على المصلحة الوطنية، مما أدى إلى تآكل رصيدها الشعبي بشكل غير مسبوق، لتنتهي بذلك التجربة التي قُدمت يوماً كـ "نموذج استثنائي"، إلى نفس المصير الذي واجهته حركات الإسلام السياسي في عموم المنطقة.