أثار تحليل استراتيجي نشرته صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية موجة جديدة من النقاش داخل الأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية بشأن التداعيات الجيوسياسية لمشروع محطة الضبعة النووية المصرية، التي تنفذها روسيا، بعدما اعتبرت الصحيفة أن المشروع يتجاوز كونه منشأة لإنتاج الطاقة ليتحول إلى عنصر مؤثر في موازين القوى الإقليمية.
وجاء التحليل عقب إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أول مفاعل في محطة الضبعة قد يبدأ العمل بحلول عام 2027، وهو ما اعتبرته الصحيفة تطوراً لا ينبغي النظر إليه من زاوية الطاقة فقط، بل من منظور استراتيجي أوسع يرتبط بتعزيز النفوذ الروسي في الشرق الأوسط.
ورأت الصحيفة أن المشروع يمنح موسكو موطئ قدم طويل الأمد في واحدة من أهم الدول العربية، ويعزز حضورها في منطقة تُعد من أكثر المناطق حساسية بالنسبة للأمن الإسرائيلي، معتبرة أن محطة الضبعة تمثل جزءاً من شبكة نفوذ روسية آخذة في الاتساع داخل المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن القلق الإسرائيلي لا يرتبط بالمشروع النووي المصري بحد ذاته، بل بطبيعة الشراكة الاستراتيجية التي تنشأ بين القاهرة وموسكو عبر المشروع، خاصة أن شركة "روساتوم" الروسية لا تقتصر مهمتها على بناء المفاعلات فحسب، بل تشمل تزويد المحطة بالوقود النووي والمشاركة في عمليات التشغيل والصيانة والتدريب لسنوات طويلة.
واعتبرت الصحيفة أن هذا الارتباط الممتد لعقود يخلق شكلاً من أشكال الاعتماد الاستراتيجي المتبادل بين الجانبين، ويمنح روسيا نفوذاً متزايداً داخل الدولة العربية الأكبر سكاناً والأكثر تأثيراً في المنطقة.
وفي قراءة إسرائيلية أوسع، ربط التقرير بين الدور الروسي في المشروع المصري ودور موسكو في الملف النووي الإيراني، مشيراً إلى أن روسيا باتت شريكاً رئيسياً في البرنامج النووي المدني لكل من مصر وإيران، من خلال بناء محطة بوشهر الإيرانية ومحطة الضبعة المصرية.
ورأت الصحيفة أن هذا الواقع يمنح الكرملين موقعاً فريداً يسمح له بالتأثير في ملفات نووية وإقليمية متعددة في وقت واحد، ويعزز مكانته كوسيط أو لاعب لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية تخص الأمن الإقليمي.
ويكتسب هذا القلق الإسرائيلي زخماً إضافياً في ظل ما وصفه التقرير بتنامي التنسيق السياسي بين موسكو والقاهرة، خاصة بعد تصريحات بوتين الأخيرة التي تحدث فيها عن مشاورات مستمرة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تطورات الملف الإيراني والأوضاع الإقليمية.
وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن تزايد الحضور الروسي في مصر لا يقتصر على قطاع الطاقة النووية فقط، بل يمتد إلى مجالات اقتصادية واستثمارية أخرى، من بينها المنطقة الصناعية الروسية المزمع إنشاؤها داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، والتي تُقدر استثماراتها بنحو 4.6 مليار دولار.
وترى الصحيفة أن هذه المشاريع المتراكمة قد تؤدي مع مرور الوقت إلى تعزيز الحضور الروسي في واحد من أهم الممرات البحرية والتجارية في العالم، بما يمنح موسكو أوراق تأثير إضافية في الشرق الأوسط وشرق البحر المتوسط.
وفي سياق التحليل، استحضرت الصحيفة اتفاقية كامب ديفيد الموقعة عام 1979 باعتبارها أحد الركائز الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية طوال العقود الماضية، حيث اعتمدت إسرائيل على استقرار الجبهة الجنوبية مع مصر كعامل رئيسي في بناء استراتيجياتها الدفاعية والعسكرية.
واعتبر التقرير أن أي تحولات طويلة الأمد في التوجهات الاستراتيجية المصرية أو في طبيعة تحالفاتها الدولية تُعد محل متابعة دقيقة داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، حتى وإن لم تكن مرتبطة بشكل مباشر بإعادة النظر في معاهدة السلام.
ورغم أن القاهرة تؤكد باستمرار أن برنامجها النووي يهدف إلى تنويع مصادر الطاقة وتلبية احتياجات التنمية الاقتصادية، فإن بعض الأوساط الإسرائيلية تنظر إلى المشروع من زاوية أوسع تتعلق بتوازنات النفوذ الدولي في المنطقة، وخاصة في ظل المنافسة المتزايدة بين روسيا والولايات المتحدة على توسيع حضور كل منهما في الشرق الأوسط.
وفي ختام تحليلها، طرحت الصحيفة تساؤلات حول شكل المشهد الإقليمي خلال العقدين المقبلين، إذا ما استمرت موسكو في توسيع حضورها الاقتصادي والاستراتيجي داخل مصر، بالتوازي مع دورها في ملفات إقليمية أخرى، معتبرة أن هذا المسار قد يفرض تحديات جديدة على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.