في تطور يكسر جدار الصمت، خرجت طهران أخيراً لتروي تفاصيل الليلة التي غيرت وجه النظام الإيراني. ولأول مرة، يقدم وزير الخارجية، عباس عراقجي، اعترافاً رسمياً يفكك لغز العملية الأميركية-الإسرائيلية المعقدة التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي خامنئي وقطفت رؤوساً وازنة في المؤسسة العسكرية والأمنية، في قلب أكثر المواقع تحصيناً بالبلاد.
أمتار تفصل بين الحياة والموت.. نجاة عراقجي
لم تكن ليلة اغتيال خامنئي عادية. فبحسب تصريحات عراقجي لقناة "الميادين" -والتي سلطت وسائل إعلام إسرائيلية الضوء عليها- فإن الصواريخ لم تضرب بشكل عشوائي، بل اختارت هدفها بدقة مرعبة تجاوزت الجدران الخرسانية.
كان عراقجي يجلس في أحد أجنحة المجمع شديد التحصين، يضع اللمسات الأخيرة لاجتماع يخص مفاوضات جنيف. وعلى بعد أمتار قليلة، في الجناح المقابل، كان المرشد البالغ من العمر 86 عاماً يمارس مهامه المعتادة. بلحظة واحدة، سُوي جناح خامنئي بالأرض، بينما بقي الجناح الدبلوماسي سليماً دون خدش. يصف عراقجي المشهد المروع باقتضاب: "الجناح الذي كنا فيه لم يُصب بأذى، بينما تحول الجناح الآخر إلى ركام".
"مشرط جراح".. رسالة أميركية بالغة القسوة
هذا المستوى من الدقة لم يكن صدفة، بل هو تجسيد لرسالة استراتيجية أرادت واشنطن حفرها في ذاكرة النظام. ينقل التقرير عن الخبير في شؤون مكافحة الإرهاب، الدكتور عمر محمد، أن ترك المبنى شبه سليم واستهداف جناح محدد يعكس ما يُعرف بـ "عقيدة ترامب"؛ إنها ليست حرب احتلال شاملة، بل استعراض لـ "دقة جراحية" قادرة على اختراق قلب النظام المعادي، ثم ترك الباب موارباً للخروج.
الضربة لم تكتفِ برأس الهرم، بل حصدت معها صفوة القيادة العسكرية، وعلى رأسهم وزير الدفاع أمير نصير زاده، وقائد القوات البرية في الحرس الثوري محمد باكبور. وهو ما تفاخر به الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها، مؤكداً عبر منصاته أن "أنظمة المراقبة والاستخبارات المتطورة" أغلقت كل منافذ النجاة أمام خامنئي وقادته.
"المرشد الشاب".. انقلاب صامت على ثورة 1979
ما بعد الضربة ليس كما قبلها؛ فقد أحدثت العملية زلزالاً هز أركان النظام من الداخل، وأعادت صياغة المشهد الديني والسياسي. اليوم، يجد مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل الذي أُصيب في نفس الهجوم وتوارى عن الأنظار لأسابيع، نفسه جالساً على قمة السلطة.
يُدير "المرشد الشاب" -كما باتت تطلق عليه الأروقة الدبلوماسية- قنوات تواصل سرية مع واشنطن، بينما يواصل العزف على وتر الخطاب المتشدد علناً للاستهلاك المحلي. هذا التحول الدلالي في لغة المسؤولين الإيرانيين، كاستخدام عراقجي لوصف "خامنئي الشاب"، يكشف عن انتقال سلس، ولكنه جذري، نحو "التوريث السياسي" وتقليص دور "ولاية الفقيه" بصورتها الكلاسيكية.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية الساخرة؛ فالنظام الذي وُلد من رحم ثورة 1979 للإطاحة بحكم الشاه الوراثي، يجد نفسه اليوم متورطاً في توريث السلطة من الأب إلى الابن، مجبراً على ترقيع فتاوى دينية وضخ مبررات إعلامية لمنح شرعية لمرشد يفتقر للمرتبة الدينية المطلوبة. إنها باختصار، نهاية حقبة، وبداية مرحلة غامضة كُتبت أحرفها الأولى بصواريخ اخترقت أعمق حصون طهران.