في مشهد يتكرر كل عدة أعوام على امتداد الساحل الغربي للولايات المتحدة، تتحول مساحات واسعة من الشواطئ إلى اللون الأزرق نتيجة جنوح ملايين الكائنات البحرية المعروفة باسم "بحّارة الرياح"، وهي ظاهرة طبيعية لافتة تجمع بين الجمال البصري والغرابة البيولوجية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت شواطئ ولايات كاليفورنيا وأوريغون وواشنطن ظهور أعداد هائلة من هذه الكائنات الزرقاء اللامعة، التي بدت من بعيد وكأنها غطاء أزرق يغطي الرمال، فيما رافق المشهد انتشار رائحة قوية تشبه رائحة الأسماك المتعفنة نتيجة تحللها بعد وصولها إلى اليابسة.
ما هي "بحّارة الرياح"؟
تُعرف هذه الكائنات علمياً باسم بحارة الرياح، وهي كائنات هلامية صغيرة لا يتجاوز طول معظمها 10 سنتيمترات، وتتميز بلون أزرق لامع وأشرعة شفافة تعلو أجسامها، ما يمنحها القدرة على الانجراف فوق سطح المحيط مستفيدة من حركة الرياح.
ورغم تشابهها الشكلي مع قناديل البحر، فإنها ليست قناديل حقيقية، بل تنتمي إلى مجموعة حيوانية قريبة منها، ويصفها العلماء بأنها من "أبناء عمومة" قناديل البحر.
ويعود اسمها الشائع "بحّارة الرياح" إلى الزعنفة الشفافة الشبيهة بالشراع التي تبرز فوق جسمها، وتعمل كوسيلة طبيعية لالتقاط الرياح ودفعها عبر سطح الماء لمسافات طويلة.
اقرا المزيد
ليست كائناً واحداً بل مستعمرة كاملة
المثير في هذه الكائنات أن كل فرد منها لا يُعدّ كائناً مستقلاً، بل مستعمرة حية مكونة من آلاف الكائنات الدقيقة المتطابقة وراثياً تُعرف باسم "الزويدات".
وتتوزع الأدوار داخل هذه المستعمرة بشكل دقيق، إذ تتخصص بعض الزويدات في اصطياد الغذاء بواسطة خلايا لاسعة، بينما تتولى أخرى عمليات الهضم أو التكاثر، ما يجعل المستعمرة تعمل كأنها كائن واحد متكامل.
وتتغذى "بحّارة الرياح" على الكائنات العوالقية الصغيرة والقشريات الدقيقة، بينما تشكل هي نفسها مصدراً غذائياً لعدد من الكائنات البحرية الأكبر حجماً، مثل السلاحف البحرية وسمكة الشمس المحيطية.
لماذا تصل إلى الشواطئ بأعداد هائلة؟
يعتمد مصير هذه الكائنات بالكامل تقريباً على الرياح والتيارات البحرية، إذ لا تمتلك القدرة على السباحة أو تغيير اتجاهها بصورة فعالة.
وعندما تتوافر ظروف مناخية وبحرية معينة، خاصة خلال فصل الربيع، تدفع الرياح الغربية ملايين الأفراد منها نحو الساحل في وقت واحد، لتحدث ظاهرة تعرف باسم "الجنوح الجماعي".
ويرى علماء الأحياء البحرية أن ما حدث هذا العام يعود إلى اجتماع عدة عوامل بيئية، أبرزها ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ، وتزايد تأثير ظاهرة النينيو، وفصول شتاء أكثر اعتدالاً سمحت ببقاء أعداد أكبر من المستعمرات، ورياح دفعت الكتل البحرية الضخمة مباشرة نحو اليابسة.
وتؤدي هذه الظروف إلى تراكم أعداد هائلة من الكائنات على الشواطئ، حتى تبدو بعض المناطق وكأنها مغطاة بالكامل بطبقة زرقاء متصلة.
هل تشكل خطراً على الإنسان؟
رغم امتلاك "بحّارة الرياح" لوامس لاسعة تستخدمها لاصطياد الفرائس، فإنها لا تُعدّ خطراً كبيراً على البشر مقارنة بقناديل البحر أو كائنات أخرى.
ومع ذلك، ينصح الخبراء بعدم لمسها مباشرة أو السماح للأطفال والحيوانات الأليفة باللعب بها، لأن ملامسة اللوامس قد تسبب تهيجاً محدوداً للجلد أو العينين أو الفم.
كما أن تراكمها بأعداد ضخمة يجعل السير على الشاطئ أكثر صعوبة بسبب الأسطح الزلقة التي تخلفها.
من اللون الأزرق إلى الرائحة النفاذة
بعد وصول هذه الكائنات إلى اليابسة تبدأ مرحلة موتها وتحللها سريعاً، وهنا يظهر الجانب الأقل جاذبية في الظاهرة.
فمع تحلل ملايين الأجسام الهلامية دفعة واحدة، تنبعث روائح قوية تشبه رائحة الأسماك المتعفنة، وهي الرائحة التي يلاحظها عادة زوار الشواطئ خلال أيام الجنوح الجماعي.
وخلال أسابيع قليلة تفقد الكائنات لونها الأزرق المميز، وتتحول إلى اللون الأبيض، ثم تجف تدريجياً حتى لا يبقى منها سوى بقايا رقيقة شفافة تشبه أغلفة البلاستيك أو رقائق الورق، قبل أن تحملها الرياح بعيداً.
ظاهرة قد تصبح أكثر تكراراً
يرى باحثون أن ارتفاع درجات حرارة المحيطات المرتبط بالتغير المناخي قد يزيد من فرص ظهور هذه الظاهرة مستقبلاً، إذ تسمح المياه الأكثر دفئاً بازدهار أعداد أكبر من "بحّارة الرياح" وبقائها لفترات أطول.
ومع استمرار التغيرات المناخية العالمية، قد تصبح مشاهد الشواطئ الزرقاء المغطاة بملايين هذه الكائنات حدثاً أكثر شيوعاً على سواحل المحيط الهادئ خلال السنوات المقبلة.