المقالات اخبار العالم العربي

من هرمز إلى الرواتب.. ملفات اقتصادية ثقيلة على طاولة الزيدي

من هرمز إلى الرواتب.. ملفات اقتصادية ثقيلة على طاولة الزيدي: أخبار

حكومة جديدة وإرث اقتصادي معقد

بعد حصول حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي على ثقة البرلمان العراقي وإقرار منهاجها الوزاري، تجد نفسها أمام مجموعة من التحديات الاقتصادية المتشابكة التي تفرض نفسها على المشهد العراقي. فالحكومة الجديدة تتسلم مهامها في وقت تشهد فيه المنطقة توترات متصاعدة على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، بالتزامن مع تراجع حاد في صادرات النفط وارتفاع الضغوط المعيشية والتضخمية التي ورثتها عن الحكومة السابقة.

وكان رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني قد حذر من أن الحكومة المقبلة ستواجه مصاعب اقتصادية كبيرة، في ظل ظروف مالية معقدة تتطلب إجراءات عاجلة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي.

ومنح مجلس النواب الثقة لـ14 وزيراً، بينهم وزراء النفط والمالية والكهرباء والصناعة والعدل، فيما أُرجئ التصويت على تسع حقائب وزارية إلى ما بعد عيد الأضحى.

ورغم أن الزيدي يحظى بقبول أميركي أكبر مقارنة بمنافسه نوري المالكي، الذي خرج من السباق الانتخابي بعد اعتراض الرئيس الأميركي دونالد ترمب على توليه المنصب، فإن هذا الدعم لا يعني بالضرورة تجاوز التحديات الاقتصادية والسياسية التي تنتظر حكومته.

هرمز المغلق يضرب شريان العراق النفطي

تواجه بغداد واحدة من أكثر الأزمات النفطية تعقيداً منذ سنوات طويلة، بعدما تسبب إغلاق مضيق هرمز واضطراب حركة الملاحة البحرية في تراجع كبير بالصادرات النفطية التي تمثل المصدر الأساسي لإيرادات الدولة.

وأظهرت بيانات وزارة النفط وشركة تسويق النفط "سومو" أن صادرات العراق، بما فيها المكثفات النفطية، بلغت خلال آذار/ مارس نحو 18.6مليون برميل بإيرادات تجاوزت 1.95 مليار دولار، مقارنة بـ99.9 مليون برميل في شباط/ فبراير و107.6 مليون برميل خلال كانون الثاني/ يناير.

وفي محاولة للحد من تداعيات الأزمة، سارعت الحكومة إلى إعادة تشغيل خط أنابيب كوردستان "كركوك – جيهان"، فضلاً عن تسريع العمل في مشروع أنبوب "البصرة – حديثة" الهادف إلى توفير منفذ بديل لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.

إلا أن هذه المسارات البديلة لا تزال عاجزة عن تعويض الطاقة التصديرية التي كان يوفرها المضيق. فخط "كركوك – جيهان" يمتلك طاقة تصميمية تصل إلى 1.6 مليون برميل يومياً، بينما لم تتجاوز التدفقات الفعلية عبره 200 ألف برميل يومياً حتى منتصف نيسان/ أبريل الماضي، في حين ما يزال مشروع "البصرة – حديثة" قيد التطوير.

كما دفعت الأزمة بغداد إلى تقديم تخفيضات كبيرة على أسعار خام البصرة المتوسط بلغت 33.4 دولاراً للبرميل، مقابل إعفاء المشترين من مخاطر الشحن المرتبطة بالمرور عبر هرمز.

ويرى خبراء اقتصاديون أن العراق خسر ما يقارب 5 مليارات دولار من الإيرادات النفطية خلال آذار/ مارس وحده، بعدما كانت الصادرات النفطية تحقق أكثر من 6.5 مليار دولار شهرياً مطلع العام الجاري.

العلاقة مع واشنطن بين الدعم والضغوط

على الرغم من التقارب السياسي بين الزيدي والإدارة الأميركية، فإن العلاقة مع واشنطن تحمل في طياتها تحديات مالية لا تقل أهمية عن أزمة النفط.

فالحكومة الجديدة تتسلم السلطة في وقت ما تزال فيه الولايات المتحدة تدير عائدات النفط العراقي المودعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، وهو نظام أُنشئ بعد عام 2003 بهدف حماية الأموال العراقية من الدعاوى والعقوبات الدولية.

وفي الوقت ذاته، تربط واشنطن الإفراج عن جزء من هذه الأموال بمجموعة من المطالب السياسية والأمنية، من بينها حصر السلاح بيد الدولة، وتقليص النفوذ الإيراني داخل العراق، ومنع مشاركة الفصائل المسلحة في العمل السياسي.

وبذلك يجد الزيدي نفسه أمام معادلة معقدة تجمع بين الحاجة إلى الحفاظ على الدعم الأميركي من جهة، والاستجابة لمتطلبات القوى السياسية الداخلية من جهة أخرى.

العقوبات الأميركية تزيد تعقيد المشهد

لم تعد الضغوط الأميركية مقتصرة على ملف الدولار أو الأموال النفطية، بل امتدت إلى قطاع الطاقة بشكل مباشر.

ففي السابع من أيار/ مايو فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على نائب وزير النفط العراقي علي معارج البهادلي، متهمة إياه بالمساعدة في تسهيل عمليات مرتبطة بتجارة النفط لصالح جهات قريبة من إيران.

كما حذرت واشنطن من إمكانية استهداف أي شخص أو شركة أو سفينة تشارك في نقل النفط أو السلع عبر قنوات تعتبرها غير مشروعة.

وتضع هذه التطورات الحكومة الجديدة أمام تحدي إثبات قدرتها على ضبط حركة التجارة والنفط والتحويلات المالية، مع تجنب الدخول في صدام مع أطراف تمتلك نفوذاً سياسياً واقتصادياً واسعاً داخل البلاد.

وفي ظل تراجع الإيرادات وارتفاع الأسعار وتشدد العقوبات، تبدو الحكومة وكأنها بدأت عملها في قلب أزمة متفاقمة، لا في مرحلة مستقرة يمكن البناء عليها بسهولة.

تقليص الاعتماد على إيران يفرض نفسه

قد تدفع الضغوط الأميركية المتزايدة الحكومة إلى تسريع خطواتها الرامية لتقليص الاعتماد على إيران، خصوصاً في قطاع الطاقة الكهربائية.

وقبل اندلاع الحرب الأخيرة، كان الغاز الإيراني يساهم في تشغيل محطات توليد توفر أكثر من 30% من إنتاج الكهرباء في العراق، ما جعل أي تراجع في الإمدادات ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة الوطنية.

وقد برزت هذه المشكلة بوضوح خلال آذار/ مارس الماضي عندما شهدت البلاد انقطاعاً شاملاً للكهرباء نتيجة تراجع إمدادات الغاز الإيراني المغذي لمحطة الرميلة الغازية في محافظة البصرة.

كما سبق أن توقفت الإمدادات خلال كانون الأول/ ديسمبر الماضي قبل استئنافها بعد مفاوضات استمرت أسابيع.

وكانت الحكومة السابقة قد أعلنت هدفاً يتمثل بتحقيق الاكتفاء الذاتي من الكهرباء بحلول عام 2028، وهو المسار الذي سيكون على حكومة الزيدي مواصلة العمل لتحقيقه.

توقعات قاتمة للنمو الاقتصادي

انعكست أزمة النفط والتوترات الإقليمية على النظرة المستقبلية للاقتصاد العراقي، حيث خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد بصورة حادة.

ويتوقع الصندوق انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 6.8% خلال العام الحالي، بعد مراجعة كبيرة بلغت 10.4 نقاط مئوية مقارنة بالتقديرات السابقة.

وبذلك يصبح العراق من بين أكثر اقتصادات المنطقة تعرضاً لتراجع النمو، متقدماً على العديد من الدول التي تأثرت بالأزمة الإقليمية، رغم أن بعض تلك الدول تعرضت لاستهداف مباشر أكبر لمنشآتها النفطية.

التضخم والرواتب.. التحدي الأقرب للمواطن

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الإيرادات النفطية فقط، بل تمتد إلى الوضع المعيشي للمواطنين مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

فقد سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعاً إلى 110.6 نقطة خلال آذار/ مارس مقارنة بـ108.9 نقطة في شباط/ فبراير، بينما ارتفع معدل التضخم السنوي إلى 2.2% بعد أن كان عند 0.8%.

كما ارتفع تضخم المواد الغذائية إلى 1.5% بعد تسجيل انكماش طفيف في الشهر السابق.

وفي المقابل، تواجه الحكومة التزامات مالية ضخمة تتمثل برواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الرعاية الاجتماعية، والتي تصل إلى نحو 8 تريليونات دينار شهرياً، وهي نفقات يصعب تقليصها بسبب حساسيتها الاجتماعية والسياسية.

ومع استمرار تراجع الإيرادات، بدأت تبرز أحاديث عن إمكانية اللجوء إلى الاقتراض لتأمين الرواتب والنفقات الأساسية، في وقت تتراوح فيه الديون الحكومية بين 82 و84 مليار دولار.

كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الإنفاق على الأجور والمعاشات قد يصل إلى 24.5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026، بالتزامن مع اتساع العجز المالي إلى 9.2% من الناتج المحلي.

أوراق قوة تمنح بغداد هامشاً للمناورة

ورغم الصورة القاتمة التي تفرضها التحديات الراهنة، فإن العراق ما يزال يمتلك عدداً من المقومات التي قد تساعده على تخفيف آثار الأزمة.

فالبلاد تحتفظ بموقعها كثاني أكبر منتج للنفط داخل منظمة أوبك، مع قدرة إنتاجية تتجاوز 4 ملايين برميل يومياً، ما يمنحها فرصة لاستعادة جزء كبير من الإيرادات فور عودة الاستقرار إلى حركة التصدير.

كذلك، تمتلك بغداد احتياطيات نقدية أجنبية تجاوزت 100 مليار دولار خلال عام 2025، وهو ما يوفر هامشاً مهماً لدعم الدينار وتمويل الواردات الأساسية في المدى القريب.

كما تعكس مشاريع الأنابيب الجديدة وإعادة تشغيل بعض خطوط التصدير إدراكاً متزايداً لأهمية تنويع المنافذ النفطية وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز مستقبلاً.

ويضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار النفط العالمية يمنح العراق فرصة لتعويض جزء من خسائر الصادرات، حتى وإن لم يكن كافياً لتعويض الانخفاض الكبير في الكميات المصدرة.

وفي المقابل، لا تبدو الولايات المتحدة راغبة في دفع العراق نحو انهيار اقتصادي شامل، لما قد يترتب على ذلك من تداعيات سياسية وأمنية وإقليمية، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام مزيج من الضغوط والدعم الأميركي خلال المرحلة المقبلة، في محاولة للحفاظ على التوازن داخل البلاد.

 

معلومات النشر

الكاتب: Azad Mohammed Sheikh Mosa

الناشر: وكالة ستيب نيوز

تاريخ النشر:

تاريخ التحديث:

معلومات الاتصال

البريد الإلكتروني: contact@stepagency-sy.net

صفحة الاتصال: اتصل بنا

المقال التالي المقال السابق