اتفاق واشنطن وطهران يعيد المبادرة الأوروبية إلى الواجهة
بعد ساعات قليلة من الإعلان عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق إطاري لوقف الحرب وتحديد مهلة تمتد 60 يوماً لإطلاق مفاوضات بشأن الملفات الخلافية، بالتزامن مع دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، سارع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الدفع نحو تفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقها في أبريل الماضي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والهادفة إلى توفير الحماية للسفن العابرة للمضيق.
ومنذ إطلاقها، ارتبطت المبادرة الأوروبية بجملة من الشروط؛ أولها أن تبدأ بعد توقف المعارك والتوصل إلى اتفاق، وثانيها أن تبقى منفصلة عن العمليات التي تنفذها القوات الأميركية في المنطقة، وثالثها الحصول على موافقة كل من واشنطن وطهران مع توفير ضمانات بعدم تعرضها للاستهداف من أي من الطرفين.
ومع الاتفاق الأخير، يبدو أن الشرط الأول قد تحقق، فيما يتوقع أن تحتل هذه المسألة موقعاً متقدماً على جدول أعمال قمة مجموعة السبع المنعقدة في مدينة إيفيان الفرنسية، لا سيما أن المواقف الصادرة من الاتحاد الأوروبي وعواصم عدة شددت على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ورفض فرض أي رسوم على السفن العابرة تحت أي مسمى.
ماكرون: القوة البحرية جاهزة للتحرك
في مقطع مصور نشره ليل الأحد ـ الاثنين عبر منصة "إنستغرام"، أكد ماكرون، الذي تترأس بلاده مجموعة السبع هذا العام، أن قادة المجموعة سيناقشون التداعيات المختلفة للاتفاق الأميركي الإيراني.
وأتبع ذلك بمنشور على منصة "إكس" أكد فيه أن المهمة البحرية الدولية "متوافرة وجاهزة لمواكبة" إعادة فتح المضيق، مشدداً على ضرورة أن يكون تنفيذها "عاجلاً وغير مشروط".
وخلال مقابلة أجراها الاثنين مع القناة الأولى الفرنسية، بدا ماكرون أكثر استعجالاً، مؤكداً أن القوة البحرية التي جرى حشدها بالقرب من مضيق هرمز "جاهزة للانتشار بسرعة كبيرة". كما أشار إلى أن حاملة الطائرات الفرنسية "شارل ديغول"، التي تتمركز في بحر العرب منذ أسابيع، يمكن أن تصل إلى المنطقة خلال فترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام بعد تثبيت الاتفاق الأميركي الإيراني المتوقع توقيعه حضورياً في جنيف يوم الجمعة المقبل.
أوروبا تتحرك لمنع فرض رسوم على الملاحة
أكد ماكرون أن الدول المشاركة في المبادرة "ستفعل كل ما في وسعها" لمنع إيران من فرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق هرمز.
ولفتت مواقف الرئيس الفرنسي الانتباه كونه بدا الأكثر استعجالاً بين قادة الدول التي تعهدت بالمشاركة في القوة البحرية، بما فيها هولندا وإيطاليا اللتان أرسلتا بالفعل قطعاً بحرية إلى المنطقة، فضلاً عن بريطانيا التي تعد الشريك الرئيسي في المبادرة.
تريث بريطاني مقابل الاندفاعة الفرنسية
في المقابل، لم يواكب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الحماسة الفرنسية، واكتفى بخطاب أكثر تحفظاً، رغم الضغوط التي يواجهها داخل حزبه عقب استقالة وزير الدفاع الأسبوع الماضي.
وأكد ستارمر في بيان أن الأولوية يجب أن تنصب على التنفيذ الكامل لبروتوكول التفاهم لضمان إعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ عليه مفتوحاً بصورة دائمة، إضافة إلى استكمال التفاصيل النهائية المتعلقة بالاتفاق الخاص بالبرنامج النووي الإيراني.
هل يسعى ماكرون إلى التقارب مجدداً مع ترامب؟
بحسب سفير فرنسي سابق، فإن أحد أهداف الحراك الفرنسي السريع يتمثل في محاولة التقارب مجدداً مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عبّر في مناسبات عدة عن استيائه من امتناع شركاء واشنطن في حلف الناتو عن المشاركة بشكل أكبر في حماية المضيق.
ويأتي ذلك بعد أن أغلقت إيران مضيق هرمز بصورة شبه كاملة بعد أيام من اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ما جعل أمن الملاحة في المنطقة أحد أبرز الملفات الخلافية خلال الفترة الماضية.
وكانت تغريدة ترامب عقب الإعلان عن الاتفاق لافتة، إذ أعلن تأييده الكامل لإعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم عبور، بالتزامن مع رفع الحصار البحري الأميركي فوراً، داعياً سفن العالم إلى استئناف حركتها وعودة تدفق النفط عبر الممر المائي الاستراتيجي.
كما أكد أن إعادة فتح المضيق ستبدأ فور توقيع الاتفاق يوم الجمعة، بما يتيح الشروع بعمليات إزالة الألغام.
إزالة الألغام.. البوابة الأوروبية للعودة إلى الملف الإيراني
تمثل مهمة إزالة الألغام أحد أبرز الأدوار المنتظرة من القوة البحرية الدولية، وقد تشكل المدخل الذي يسمح للأوروبيين وغيرهم بالعودة إلى لعب دور فاعل في الملف الإيراني، خصوصاً أنها تقع ضمن المهام الأساسية للقوة التي تشرف عليها باريس ولندن.
وأبدت دول عديدة استعدادها للمشاركة في المهمة البحرية المشتركة، من بينها ألمانيا وبلجيكا والدنمارك واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال إلى جانب فرنسا وبريطانيا، فيما يسعى الأوروبيون إلى استقطاب دول خليجية وآسيوية للمشاركة في المهمة وعدم حصرها بالإطار الأوروبي.
وفي ما يتعلق بعمليات نزع الألغام، تتوافر في المنطقة ثلاث كاسحات ألغام على الأقل تتبع لألمانيا وإيطاليا، إضافة إلى عدد من المدمرات القادرة على تنفيذ هذه المهمة. ومن الناحية النظرية، تبدو هذه القطع جاهزة للبدء بعملها، غير أن ذلك يبقى مرتبطاً بمعرفة الخطط الأميركية وآليات التنسيق بين الوجود العسكري الأميركي والقوة البحرية التي يفترض أن تعمل بصفة محايدة.
طهران والغطاء الدولي.. العقبتان المتبقيتان
ورغم الجهوزية الأوروبية المعلنة، لا تزال هناك نقطتان غامضتان قد تؤثران على انطلاق المهمة. الأولى تتعلق بالموقف الإيراني، إذ سبق لطهران أن حذرت من نشر قوة بحرية من هذا النوع في المنطقة.
أما الثانية فتتمثل في طبيعة الغطاء القانوني للمبادرة، وما إذا كانت ستحتاج إلى موافقة أو تفويض من الأمم المتحدة، أم أنها ستعمل خارج المظلة الدولية.
ويأمل قادة مجموعة السبع أن تساهم اجتماعاتهم الحالية في توضيح هذه المسائل، فيما تواصل ألمانيا التشديد على ضرورة توفير غطاء دولي واضح لأي مهمة بحرية من هذا النوع.