تشهد إيران نقاشاً سياسياً وفكرياً متصاعداً حول نتائج اتفاق التهدئة بين طهران والولايات المتحدة، وسط انقسام واضح بين تيارين رئيسيين، أحدهما محافظ يرى في الاتفاق تعزيزاً لنهج "المقاومة"، وآخر إصلاحي يعتبره فرصة لتعزيز مسار الحوار والانفتاح.
التيار المحافظ: الاتفاق انتصار لنهج المقاومة
يرى التيار المحافظ أن الاتفاق جاء نتيجة استخدام القوة، ويعدّه خطوة يمكن أن تُستثمر لتعزيز ما يصفه بـ"مشروع إيران الثورة" على المستوى الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، نظّمت مجموعات من أنصار التيار المحافظ تجمعاً في حسينية جماران، جددوا خلاله البيعة للمرشد الأول للجمهورية الإسلامية روح الله الخميني، معتبرين أن التطورات الأخيرة تمثل فرصة لإعادة صياغة مفهوم "الجهاد" في إيران والمنطقة.
كما أكد المشاركون أن ما وصفوه بـ"الانتقام لدم المرشد الثاني علي خامنئي" يمثل، بحسب تعبيرهم، فرصة لمواجهة الفكر الغربي في المنطقة.
وفي بيانات أخرى صادرة عن جهات محسوبة على هذا التيار، بينها "جمعية إعلاء المؤسسات الشعبية"، جاء أن "الأورام السرطانية للاستكبار لا يمكن احتواؤها بالانفعال"، وأن "الصراع مع النظام الظالم سيستمر"، وفق ما ورد في البيان.
كما شددت "جمعية الإيثار للمحاربين القدامى" على أهمية الالتزام بتوجيهات القيادة الإيرانية، مشيرة إلى أن قوة الدولة ترتبط بالاستجابة لتوجيهات القادة، بدءاً من الإمام الخميني وحتى القيادة الحالية، بحسب نص البيان.
التيار الإصلاحي: الاتفاق فرصة لتكريس الحوار والتنمية
في المقابل، ينظر التيار الإصلاحي إلى الاتفاق بوصفه مؤشراً على أهمية العودة إلى الحوار، واعترافاً بصحة مقارباته في إدارة الملفات الخارجية.
وأصدر حزب التنمية الوطني الإصلاحي بياناً أيد فيه التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، معتبراً أنه يمثل فرصة لتعزيز المصالح الوطنية، ومحذراً من محاولات تعطيله من قبل أطراف خارجية وداخلية.
وأشار البيان إلى أن التفاهم يواجه معارضة من إسرائيل ومن أطراف داخلية ترفض شعار "إيران لجميع الإيرانيين"، وفق ما ورد فيه، معتبراً أن المقاربة الإصلاحية تمثل انتقالاً من "استراتيجية البقاء" إلى "استراتيجية التنمية".
كما أكد الكاتب السياسي الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مقال صحفي أن خيار الحوار يمثل، برأيه، مساراً ضرورياً لاستقرار البلاد، معتبراً أن تجربة العقود الماضية أظهرت محدودية الخيارات الأخرى.
وأضاف أن الاستمرار في النهج المحافظ أو خيار إسقاط النظام يمثلان، من وجهة نظره، مسارين غير قابلين للاستدامة، في حين أن الإصلاح السياسي التدريجي هو الخيار الأكثر واقعية، على حد تعبيره.
سياق الانقسام الداخلي
يعكس هذا الجدل اتساع الفجوة داخل المشهد السياسي الإيراني بشأن مستقبل العلاقة مع الغرب، وحدود التغيير الممكن في السياسة الخارجية والداخلية، في ظل استمرار التباين بين رؤيتين: الأولى تركز على "المقاومة" كخيار استراتيجي، والثانية تدفع باتجاه "الحوار والتنمية" كمسار بديل.