في سباق تكنولوجي قد يعيد تشكيل موازين القوى العالمية، يتنافس أكبر اقتصادين في العالم على امتلاك الحاسوب الكمي، وهو جهاز قادر نظرياً على كسر جميع أنظمة التشفير الحالية، واختراق أعمق أسرار الدول والمؤسسات، في تحدٍ وصفه خبراء الأمن القومي بأنه "أحد أخطر التحديات التكنولوجية والاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين".
وفقاً لتحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز"، فإن تقنيات الكم لن تقتصر على كسر الشفرات فحسب، بل ستحدث تحولاً جذرياً في مجالات الاستشعار والملاحة، وصولاً إلى تغيير قواعد الاشتباك في ساحات القتال.
تهديد وجودي للتشفير الحالي
تعتمد أنظمة التشفير الحالية، التي تحمي السجلات الطبية والمعاملات المالية وأسرار الدول، على صعوبة حل مسائل رياضية معينة بواسطة الحواسيب التقليدية. لكن الحاسوب الكمي يمكنه نظرياً كسر مفتاح تشفير RSA بطول 2048 بت خلال أقل من 8 ساعات، بينما يحتاج الحاسوب التقليدي إلى نحو 300 تريليون سنة لإنجاز المهمة نفسها.
ورغم أن حاسوباً كمياً بهذه القدرات لم يظهر بعد، فإن أجهزة الاستخبارات الأمريكية تعتقد أن الصين وروسيا تجمعان بالفعل بيانات أمريكية مشفرة، على أمل أن تصبح قابلة للقراءة عندما تتوافر التقنيات الكمية، سواء خلال خمس سنوات أو عشر.
اقرا المزيد
مستشعرات كمية تغير قواعد الحرب
لا تقتصر تداعيات التقنيات الكمية على التشفير فقط، بل تمتد إلى مجال الاستشعار. فالمستشعرات الكمية قادرة على قياس الزمن والفروق في المجالات الجاذبية والمغناطيسية بدقة غير مسبوقة، مما يسمح مستقبلاً باكتشاف المركبات الشبحية، أو توجيه القوات العسكرية في البيئات التي تكون فيها إشارات "جي بي إس" محجوبة أو مشوشة.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة، في ظل التقدم الصيني في تقنيات التشويش على "جي بي إس"، الذي يعتمد عليه الجيش الأمريكي وحلفاؤه في تشغيل الذخائر الموجهة والطائرات المسيرة. وتمتلك الصين اليوم منظومة الملاحة الخاصة بها "بايدو-3"، ما يتيح لها نشر أجهزة تشويش قوية في مناطق مثل بحر الصين الجنوبي دون التأثير على أنظمتها العسكرية.
تفوق أمريكي واستثمارات صينية
حتى الآن، ما تزال الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق تقني في مجال العتاد الكمي، بقيادة شركات مثل Google وIBM وعدد من الشركات الناشئة. في المقابل، جعلت الصين التقنيات الكمية إحدى أولويات خطتها الخمسية للفترة 2026-2030، وتركز معظم أنشطة البحث والتطوير في مؤسسات حكومية مثل مختبر هيفاي الوطني.
وإلى جانب الحوسبة الكمية، طورت الصين مستشعرات كمية مخصصة للغواصات والطائرات الشبحية، كما أجرت في أوائل عام 2025 تجربة اتصالات كمية مع جنوب أفريقيا عبر مسافة تجاوزت 8000 ميل.
كتل تكنولوجية متنافسة
مع انتقال المنافسة من الأبحاث العلمية إلى الاستثمارات الضخمة، بدأت تظهر تكتلات دولية متنافسة في المجال الكمي. فقد انضمت الولايات المتحدة إلى حلفاء مثل فرنسا واليابان والمملكة المتحدة لتأسيس "مجموعة تطوير الكم" التي تضم 13 دولة، بهدف تأمين سلاسل التوريد العالمية وحماية المصالح الأمنية المرتبطة بالتقنيات الكمية. في المقابل، تتعاون الصين مع دول مجموعة بريكس، وخاصة روسيا التي تمتلك خبرات متقدمة في مجالات الفيزياء والرياضيات والتشفير.
مخاطر البيانات المخزنة
حتى لو نجح العالم في الانتقال إلى التشفير المقاوم للكم قبل ظهور حاسوب كمي كامل القدرات، فإن ذلك لا يلغي المخاطر المرتبطة بالبيانات التي جُمعت بالفعل. فبعض المعلومات، مثل أسرار تصميم الأسلحة النووية، ستظل حساسة لعقود طويلة، وتمثل الخطر الأكبر إذا تمكنت جهات معادية من فك تشفيرها مستقبلاً.
وفي خضم هذا السباق المحموم، يبقى السؤال الأهم الذي يبحث عن إجابة: هل ستنجح الولايات المتحدة في الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، أم أن الاستثمارات الصينية الضخمة ستمنح بكين زمام المبادرة في واحدة من أكثر التقنيات تأثيراً على مستقبل الأمن القومي العالمي؟