رغم دوي الانفجارات الذي لا يهدأ في أزقة العاصمة السودانية، بدأت أسواق الخرطوم في ممارسة لعبة "عض الأصابع" مع الحرب، حيث شهدت بعض الأحياء التجارية عودة جزئية ومترددة للنشاط الاقتصادي بعد فترات طويلة من الشلل التام.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن أسواقاً محورية، وفي مقدمتها "شارع الجمهورية"، استعادت ما بين 65% إلى 80% من حركتها التشغيلية، حيث بادر تجار لفتح محالهم وتفضت الغبار عن واجهات أرهقتها سنوات الصراع، في محاولة لإعادة الحياة لقطاع يعد العمود الفقري لمعيشة سكان العاصمة.
اقتصاد تحت الحصار: الأرقام لا تكذب
ورغم هذه "الصحوة" الجزئية، إلا أن الواقع الاقتصادي يصطدم بحقائق مرة على الأرض تمنع الاحتفال بالتعافي:
تآكل القوة الشرائية: المبيعات الفعلية لا تزال تراوح مكانها عند عتبة الـ 40-50%، نتيجة التضخم الجامح وضعف السيولة لدى المواطنين.
اقرا المزيد
ندوب النهب: لا يزال التجار يعانون من تبعات عمليات النهب الممنهج والتدمير الذي طال البنى التحتية للمستودعات والأسواق.
خناق التوريد: اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل بين الولايات أدى إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية.
التساؤل الاستراتيجي: هل تصمد "العودة" أمام خيار الرصاص؟
الإجابة على التساؤل الذي يطرحه العنوان تكمن في المعادلة الصعبة بين "رغبة البقاء" و"واقع الميدان"؛ فبينما تعود آلاف الأسر لأحيائها محملة بآمال الاستقرار، يبقى الصراع المستمر بين الجيش وقوات الدعم السريع، ونشاط الجماعات المتطرفة، بمثابة "سيف دمشقي" مسلط على رقاب التجار.
فهل تكون هذه العودة بداية لنهاية الانكماش، أم أنها مجرد "استراحة محارب" اقتصادية سرعان ما ستصطدم بغياب الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه ووقود؟ يجمع التجار والخبراء على أن الثقة لن تعود طالما ظل الرصاص هو اللغة الوحيدة المسموعة في شوارع الخرطوم.