في الوقت الذي تواصل فيه دولة الإمارات تعزيز مكانتها كواحدة من أكثر البيئات الاقتصادية والاستثمارية استقراراً في المنطقة والعالم، تتزايد التحذيرات من محاولات استغلال هذه السمعة الإيجابية من قبل جهات وتنظيمات تعمل خارج المنطقة، عبر تأسيس شركات ومؤسسات تحمل أسماء أو علامات تجارية توحي بارتباطها بالإمارات أو بالنجاحات الاقتصادية الخليجية.
وتثير هذه الظاهرة تساؤلات متزايدة حول قدرة بعض التنظيمات العابرة للحدود على توظيف أدوات الاستثمار والأعمال كوسائل لبناء شبكات نفوذ جديدة، خصوصاً في أوروبا، حيث تعمل شركات ومؤسسات متعددة في قطاعات العقارات والاستشارات والاستثمار، مستفيدة من الثقة التي تحظى بها العلامات والأسماء المرتبطة بدول الخليج.
الاستثمار بوابة جديدة
على مدى العقود الماضية، ارتبط اسم جماعة الإخوان في أذهان كثيرين بالنشاط السياسي والدعوي والتنظيمي، إلا أن عدداً من الدراسات والتقارير الغربية والعربية تحدثت عن تطور أدوات الجماعة وشبكاتها في أوروبا باتجاه العمل الاقتصادي والمؤسساتي، بما يشمل إنشاء شركات ومراكز أبحاث وجمعيات ومؤسسات استثمارية.
ويرى باحثون في شؤون الحركات الإسلامية أن هذه الشبكات لم تعد تعتمد فقط على الخطاب الأيديولوجي التقليدي، بل باتت تستخدم أدوات الأعمال والاستثمار والعقارات باعتبارها قنوات أكثر قدرة على تحقيق الانتشار والاستدامة المالية.
اسم إماراتي.. ورسائل تسويقية موجهة للخليجيين
ومن الأمثلة التي أثارت جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي شركة تحمل اسم "ياس للاستثمار والعقار" ومقرها لندن.
اقرا المزيد
ويرى متابعون أن اختيار اسم "ياس" قد يمنح انطباعاً لدى بعض المستثمرين الخليجيين بوجود ارتباط ما مع جزيرة ياس في أبوظبي أو مع البيئة الاستثمارية الإماراتية، وهو ما قد يعزز عامل الثقة لدى المستثمر قبل التحقق من خلفية الشركة وملاكها الفعليين.
وتظهر السجلات البريطانية أن الشركة مسجلة في لندن منذ عام 2017 وتعمل في مجال الاستثمار العقاري. كما تشير البيانات المهنية المنشورة إلى ارتباطها بعبد الرحمن الجابري.
وتتحدث منشورات متداولة على نطاق واسع عن أن شركة "ياس" لا تمثل كياناً منفرداً، بل تُعد جزءاً من شبكة أوسع تضم ما يصل إلى 13 شركة ومؤسسة موزعة في عدد من الدول الأوروبية.
ومن بين الأسماء التي تتكرر في النقاشات المتداولة أيضاً شركة "نافل كابيتال"، التي تشير معلومات إلى أن عبد الرحمن الجابري يديرها أو يرتبط بها.
وتصف الشركة نفسها بأنها منصة للاستثمار العقاري وإدارة المحافظ الاستثمارية، إلا أن منتقدين على مواقع التواصل الاجتماعي يزعمون أنها تستهدف استقطاب رؤوس أموال خليجية عبر تقديم فرص استثمارية في الأسواق الأوروبية.
بريطانيا مركز للشبكات العابرة للحدود
لطالما شكلت بريطانيا إحدى الساحات الرئيسية لنشاط جماعات الإسلام السياسي والتنظيمات العابرة للحدود، حيث استفادت هذه الجماعات من البيئة القانونية المفتوحة ومن سهولة تأسيس الشركات والمؤسسات والجمعيات.
وخلال السنوات الأخيرة تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية حول نشاط جماعة الإخوان داخل المملكة المتحدة، مع دعوات متكررة لإعادة تقييم أنشطتها وشبكاتها المالية والتنظيمية.
المال والعقارات.. قطاع جاذب للشبكات المنظمة
ويُعد قطاع العقارات من أكثر القطاعات جاذبية للشبكات العابرة للحدود، نظراً لما يوفره من فرص لتنقل الأموال بين الدول وتأسيس محافظ استثمارية متنوعة.
كما تداولت تقارير ما يُوصف بـ"مثلث" يقود أنشطة مرتبطة بالإخوان خارج المنطقة العربية.
وتشير المعلومات إلى أن عبد الرحمن الجابري يمثل أحد أضلاع هذا المثلث، إلى جانب أحمد الشيبة وحمد محمد الشامسي.
ويحذر خبراء مكافحة غسل الأموال من أن بعض الكيانات قد تستغل الطبيعة المعقدة للمعاملات العقارية الدولية لإخفاء مصادر الأموال أو إعادة تدويرها عبر شركات متعددة ومتداخلة، خصوصاً عندما تنتشر هذه الشركات في أكثر من دولة وتعمل تحت أسماء مختلفة.
إبراهيم الزيات.. الاسم الأكثر حضوراً
وعند الحديث عن الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالإخوان في أوروبا، يتكرر اسم إبراهيم الزيات بصورة لافتة.
ويُعد الزيات من أبرز الشخصيات المرتبطة تاريخياً بالمؤسسات الإسلامية الأوروبية، وشغل مواقع قيادية في عدد من المنظمات الإسلامية داخل ألمانيا وأوروبا، كما ارتبط اسمه بشبكات مؤسساتية واسعة امتدت لسنوات طويلة.
وتصفه بعض الأوساط الإعلامية والبحثية بأنه أحد أبرز الشخصيات التي لعبت أدواراً مؤثرة في بناء شبكة واسعة من المؤسسات والمراكز الإسلامية والشركات المرتبطة بتيارات الإسلام السياسي داخل أوروبا.
وتذهب روايات متداولة إلى اعتباره المشرف الفعلي على عدد من الكيانات والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بشبكات الإخوان في القارة الأوروبية، فيما يطلق عليه البعض لقب "وزير مالية الإخوان في أوروبا".
ويُعد أحمد الشيبة أحد الأسماء التي تتكرر في هذا السياق، حيث تقول منشورات متداولة إنه يُقدَّم أحياناً بوصفه "مفكراً تربوياً" أو متخصصاً في الشأن التعليمي، بينما يزعم منتقدوه أنه يمارس نشاطاً سياسياً وإعلامياً موجهاً ضد الإمارات ودول عربية أخرى.
كيف يحمي المستثمر نفسه؟
ويؤكد مختصون في الشؤون المالية أن أفضل وسيلة لحماية المستثمر الخليجي أو العربي من الوقوع ضحية لأي عمليات تضليل أو استغلال تتمثل في التحقق من السجل التجاري الحقيقي للشركة، ومراجعة أسماء المساهمين والمديرين التنفيذيين، والاستعانة بمكاتب تدقيق قانونية مستقلة، إضافة إلى التأكد من الجهات الرقابية المشرفة على النشاط المالي، وعدم الاكتفاء بالأسماء التجارية أو الهوية البصرية الاحترافية.
إلى جانب ذلك ينصح بدراسة مسار الأموال والاستثمارات المقترحة بدقة، وطلب تقارير الامتثال ومكافحة غسل الأموال قبل ضخ أي استثمارات.
تحدٍ أمني واقتصادي
وتشير تطورات السنوات الأخيرة إلى أن التنظيمات المتطرفة أو الأيديولوجية لم تعد تعتمد فقط على المنابر التقليدية أو الخطاب السياسي المباشر، بل باتت تلجأ إلى أدوات أكثر تعقيداً تشمل الأعمال والاستثمار والعقارات والشركات العابرة للحدود.
وبينما تواصل الإمارات ودول الخليج تعزيز منظومات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، تبدو الحاجة ملحة لتعزيز التعاون بين الأجهزة الأمنية والمالية والرقابية في الشرق الأوسط وأوروبا، لضمان عدم استغلال الأموال والاستثمارات الخليجية في مشاريع أو أنشطة قد تتعارض مع الأمن والاستقرار الإقليميين.