في الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة وإيران للدخول في مرحلة جديدة من المفاوضات بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، تتصاعد تساؤلات وتحذيرات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية بشأن الجهة التي ستجني المكاسب الأكبر من أي انفراج اقتصادي محتمل بين الجانبين.
وتشير تقديرات ومصادر نقلتها وكالة "رويترز" إلى أن الحرس الثوري الإيراني قد يكون المستفيد الرئيسي من أي اتفاق نهائي يؤدي إلى رفع العقوبات أو تخفيفها، رغم أن الولايات المتحدة وعددا من الدول الغربية تصنفه منظمة إرهابية وتفرض عليه عقوبات واسعة منذ سنوات.
مفارقة سياسية واقتصادية
وتكمن المفارقة في أن الاتفاق الذي تسعى واشنطن من خلاله إلى إنهاء الحرب واحتواء البرنامج النووي الإيراني قد يفضي عملياً إلى تدفق مليارات الدولارات نحو اقتصاد تتحكم قطاعات واسعة منه مؤسسات وشركات مرتبطة بالحرس الثوري.
ووفق أربعة مصادر إيرانية رفيعة تحدثت لـ"رويترز"، فإن الحرس الثوري يتمتع بموقع استثنائي يسمح له بالحصول على نصيب كبير من المكاسب الاقتصادية المحتملة الناتجة عن استئناف صادرات النفط، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة دمج الاقتصاد الإيراني تدريجياً في الأسواق العالمية.
وأكدت المصادر أن الحرس الثوري بنى خلال العقود الماضية شبكة اقتصادية واسعة مستفيداً من العقوبات الدولية، حيث طور آليات معقدة للالتفاف على القيود المالية والتجارية، ما جعله الطرف الأكثر خبرة في إدارة النشاط الاقتصادي الإيراني خلال فترات العزلة.
اقرا المزيد
إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف
وخلال السنوات الماضية، توسع نفوذ الحرس الثوري ليشمل قطاعات استراتيجية متعددة، من النفط والغاز والطاقة إلى البناء والاتصالات والشحن البحري والموانئ والصناعات الثقيلة والخدمات اللوجستية.
وتشير بيانات رسمية وسجلات عامة إلى أن شركة "خاتم الأنبياء"، الذراع الهندسية والاقتصادية للحرس الثوري، تشرف على مئات الشركات والمشروعات الكبرى في أنحاء إيران، وتلعب دوراً محورياً في تنفيذ مشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل.
كما يمتد نفوذ الحرس إلى قطاعات السياحة والتكنولوجيا والصناعات التحويلية وصناعة السيارات، ما يجعله لاعباً أساسياً في معظم الأنشطة الاقتصادية الكبرى داخل البلاد.
ويرى مراقبون أن هذا الواقع يضع المستثمرين الأجانب أمام معادلة معقدة، إذ قد يجدون أنفسهم مضطرين للتعامل بشكل مباشر أو غير مباشر مع شركات مرتبطة بالحرس الثوري إذا أرادوا دخول السوق الإيرانية.
صندوق الـ300 مليار دولار
وتزداد المخاوف مع الحديث عن إنشاء صندوق استثماري ضخم بقيمة 300 مليار دولار ضمن التفاهمات الاقتصادية المصاحبة للمفاوضات الأمريكية الإيرانية.
وكانت تقارير سابقة قد أشارت إلى أن الصندوق سيخصص لتمويل مشاريع إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية في إيران، بمشاركة شركات ومستثمرين من الولايات المتحدة ودول الخليج وآسيا وأمريكا الجنوبية.
ويرى خبراء أن ضخ استثمارات بهذا الحجم في اقتصاد يهيمن عليه الحرس الثوري قد يؤدي إلى تعزيز نفوذه المالي والسياسي بصورة غير مسبوقة.
كما حذرت مصادر مطلعة من أن الشركات الغربية قد تجد نفسها أمام تحديات قانونية إذا دخلت في شراكات مع كيانات ترتبط بالحرس الثوري، في ظل استمرار بعض العقوبات الأمريكية الخاصة بهذه المؤسسة حتى لو تم رفع عقوبات أخرى عن إيران.
المستفيد من رفع العقوبات
وبحسب المصادر الإيرانية، فإن الحرس الثوري سيواصل الاستفادة سواء تم التوصل إلى اتفاق شامل أو بقيت التفاهمات عند حدود الإعفاءات المؤقتة.
ففي حال رفع العقوبات بشكل كامل، ستتدفق الاستثمارات الأجنبية إلى قطاعات يسيطر عليها الحرس أو يمتلك نفوذاً واسعاً فيها.
أما في حال الاكتفاء بتخفيف محدود للعقوبات، فإن الحرس سيبقى الطرف الأقدر على إدارة شبكات الالتفاف على القيود الدولية، مستفيداً من خبرته الطويلة في هذا المجال.
وقال أحد المصادر الإيرانية لـ"رويترز" إن الحرس الثوري "هو الفائز الحقيقي" من التطورات الأخيرة، معتبراً أن المؤسسة العسكرية تمكنت من تعزيز موقعها بعد الحرب الأخيرة، وأصبحت في أفضل وضع للاستفادة من أي انفتاح اقتصادي قادم.
عقبة أمام الاتفاق النهائي
وفي المقابل، قد يتحول النفوذ الاقتصادي الواسع للحرس الثوري إلى أحد أبرز العقبات أمام التوصل إلى اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران.
فالإدارة الأمريكية تسعى إلى ضمان عدم استفادة المؤسسات العسكرية الإيرانية من أي رفع للعقوبات، بينما ترى طهران أن الحرس الثوري جزء أساسي من بنية الدولة والاقتصاد ولا يمكن استبعاده من أي ترتيبات اقتصادية مستقبلية.
كما يثير استمرار تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية إشكالات قانونية معقدة أمام المستثمرين الدوليين والمؤسسات المالية الراغبة في العمل داخل إيران.
نفوذ متصاعد بعد الحرب
وتأسس الحرس الثوري عقب الثورة الإيرانية عام 1979، لكنه تحول خلال العقود اللاحقة إلى واحدة من أقوى المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية في البلاد.
ومع اندلاع الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة في فبراير الماضي، تعزز دوره الداخلي بشكل أكبر، خصوصاً بعد التغييرات السياسية التي شهدتها إيران عقب مقتل المرشد السابق علي خامنئي وصعود المرشد الحالي مجتبى خامنئي.
ورغم دعمه لمذكرة التفاهم الموقعة بين طهران وواشنطن، يرى محللون أن الحرس الثوري ينظر إلى الاتفاق من زاوية براغماتية، باعتباره فرصة لتعزيز نفوذه الاقتصادي وإعادة بناء قدراته المالية بعد سنوات من العقوبات والحروب.
ومع بدء المفاوضات الفنية بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأسابيع المقبلة، سيبقى السؤال الأبرز مطروحاً: هل ستنجح واشنطن في فصل أي انفتاح اقتصادي عن نفوذ الحرس الثوري، أم أن المؤسسة العسكرية الإيرانية ستخرج من الاتفاق أقوى مالياً وسياسياً مما كانت عليه قبل الحرب؟